الشيخ عبد الغني النابلسي

97

كتاب الوجود

وصية جبريل عليه السّلام للنبي صلى اللّه عليه وسلم : « اعبد اللّه كأنك تراه » « 1 » ، ووصى بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمته . ومعلوم عند كل منصف أن مخلوقا لا يرى ربه إلا مقيدا بجهة ؛ لأنه غيره بلا شك ، لا عينه ، فإذا كان التخيل يقع الأكبر الناس معرفة باللّه تعالى ؛ فكيف بآحاد المؤمنين ؟ « 2 » . وقد بلغنا أن عيسى عليه السّلام مر برجل ساجد ، وهو يقول في سجوده : يا رب ، لو علمت أين حمارك الذي تركبه لعملت له بردعة ، ورصعتها بالجواهر ، فحركه عيسى عليه السّلام وقال : « ويحك ! وهل للّه تعالى حمار ؟ » ، وأنكر عليه ذلك . فأوحى اللّه تعالى إليه : « يا عيسى ، دع البراذعى ، فإنه مجدنى بقدر وسعه وطاقته ، وقد جازيته على تعظيمه لي على قدر معرفته » « 3 » انتهى .

--> - صلى المصلى استقبل الكعبة ، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء ، كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة ، بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين . [ شرح مسلم للنووي ( 5 / 22 ) ، طبعة دار الكتب العلمية ] . ( 1 ) أخرجه مسلم [ 1 - ( 8 ) ] ، كتاب الإيمان ، 1 - باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان . ( 2 ) قال القاضي عياض : لا خلاف بين المسلمين قاطبة ؛ فقيههم ، ومحدثهم ، ومتكلمهم ، ونظارهم ، ومقلدهم ، أن الظواهر الواردة بذكر اللّه تعالى في السماء كقوله تعالى : أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ونحوه ليست على ظاهرها ، بل متأولة عند جميعهم ، فمن قال بإثبات جهة فوق من غير تجديد ولا تكييف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين تأول في السماء ؛ أي على السماء ، ومن قال من دهماء النظار والمتكلمين وأصحاب التنزيه بنفي الحد واستحالة الجهة في حقه سبحانه وتعالى تأولوها تأويلات بحسب مقتضاها . [ شرح مسلم للإمام النووي ( 5 / 22 ) ] . ( 3 ) قال القاضي عياض : ما الذي جمع أهل السنة والخلق كلهم على وجوب الإمساك عن الفكر في الذات كما أمروا وسكتوا لحيرة العقل ، واتفقوا على تحريم التكييف والتشكيل ، وأن ذلك من وقوفهم وإمساكهم غير شاك في الوجود ، وغير قادح في التوحيد ، بل هو حقيقته ، ثم تسامح بعضهم بإثبات الجهة خاشيا من مثل هذا التسامح ، وهل بين التكييف وإثبات الجهات فرق ؟ لكن إطلاق ما أطلقه الشرع من أنه القاهر فوق عباده ، وأنه استوى على العرش ، مع التمسك بالآية الجامعة للتنزيه الكلى الذي لا يصح في المعقول غيره ، وهو قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ . [ النووي في شرح مسلم ( 5 / 22 ) ] .