الشيخ عبد الغني النابلسي
82
كتاب الوجود
والمخلوق لا يشابه القديم أصلا ، ولا بوجه من الوجوه ، فعلمنا به لا يطابقه ولا يشابهه قطعا ، ولا يمكن أن يسمى علما به إلا بطريق الحكم الشرعي كما ورد عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أنا أعلمكم باللّه » . فقد ثبت له الإعلامية منا باللّه تعالى ، وأثبت لنا العلم باللّه تعالى أيضا ، فإذا كانت الصورة التي يستدعيها الحكم على اللّه تعالى بالصفات « 1 » من التنزيهات والأفعال هي النفس العلم بحقيقة اللّه عند المتكلمين كانت مطابقة لحقيقيته تعالى عندهم من غير شك ولا شبهة ، بل هي حقيقة اللّه تعالى عندهم ؛ حيث لم يكن لها في نفس الأمر في الخارج وما يطابقها أصلا لتنزيه اللّه تعالى وتباعده عن مشابهة المخلوقات « 2 » عندهم أيضا ؛
--> وصفات اللّه عند الشافعي ليست أغيارا لذاته ؛ لأنه لما زعم أن الحلف بغير اللّه لا يوجب الكفارة ، وأن الحلف بصفات اللّه تعالى يوجب الكفارة ، كان هذا دليلا على أنه يعتقد أن صفات اللّه تعالى ليست أغيارا لذاته المقدسة . [ مذاهب الفرق الكلامية ( 343 ، 351 ) ، دار الثقافة العربية ] . ( 1 ) أثبت مالك هذه الصفات للّه تعالى كما وردت بها النصوص مع نفى الكيف والتمثيل ، وقد أثر عنه أنه قال في أحاديث الصفات الخبرية : « أمروها كما جاءت » ، كما يروى أن رجلا سأله : كيف استوى الرحمن على العرش ؟ فسكت مليّا حتى علاه الرحضاء ( أي العرق الشديد ) ، فلما سرى عنه قال : « الاستواء منه معلوم ، والكيف منه غير معقول ، والسؤال عن هذا بدعة ، والإيمان به واجب ، وإني لأظنك ضالا » ، فناداه الرجل : « يا أبا عبد اللّه ، واللّه الذي لا إله إلا هو لقد سألت عن هذه المسألة أهل البصرة والكوفة والعراق ، فلم أجد أحدا وفق لما وفقت له » . [ القاضي عياض في ترتيب المدارك ( 198 ) ؛ وابن تيمية في العقيدة الحموية الكبرى ( 431 ) ] . ( 2 ) انتشرت أفكار التشبيه والتجسيم في عصر الإمام أبي حنيفة على يد مقاتل ابن سليمان ، الذي أخذ يذيع هذه الأفكار في خراسان ، ويغلو في إثبات الصفات ، حتى شبه اللّه تعالى بالإنسان ، وزعم أنه جسم من الأجسام ، فنهض أبو حنيفة ليعلن في مواجهة هذا المذهب الخبيث أن اللّه تعالى شيء لا كالأشياء ؛ فهو لا يشبه شيئا من خلقه ، ولا يشبهه شيء من خلقه . وبهذا يكون أبو حنيفة أول من أطلق الشيئية على اللّه ، استنادا إلى قوله سبحانه : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، وهو يقصد بأنه شيء موجود وأنه قائم بذاته وصفاته ؛ لكنه ليس كالأشياء الموجودة ذاتا وصفة ، أو أنه شيء لا تدركه العقول والأفهام . [ نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ( 1 / 234 ) ] .