الشيخ عبد الغني النابلسي

80

كتاب الوجود

اختلفوا في كتبهم : هل يمكن عندهم معرفة اللّه تعالى « 1 » بكنه حقيقته ؟ وجمهورهم على أن معرفته تعالى وتقدس بكنه حقيقته جائزة حاصلة من كل أحد ، كما قال سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد : اختلفوا في العلم بحقيقة اللّه تعالى للبشر ؛ أي في معرفة ذاته بكنه الحقيقة ، فقال بعدم حصوله كثير من المحققين ، خلافا لجمهور المتكلمين ، ثم القائلون بعدم الحصول جوزوه خلافا للفلاسفة . وذكر الجلال الدواني في شرح رسالة العضد الشيرازي - رحمهما اللّه تعالى - قال : « وأما معرفة اللّه تعالى بالكنه فغير واقع عند المحققين ، ومنهم من قال بامتناعه : كحجة الإسلام الغزالي « 2 » ، وإمام الحرمين ، والصوفية ، والفلاسفة » « 3 » .

--> ( 1 ) يرى أبو منصور الماتريدي أن الإيمان باللّه تعالى واجب على العباد بطريق العقل ، فالعقل في رأيه يمكن أن يستقل بمعرفة اللّه تعالى ، وإن كان لا يستقل بمعرفة سائر الأحكام التكليفية ؛ حيث إن الحق سبحانه أمر عباده في كثير من آيات القرآن الكريم بالنظر في ملكوت السماوات والأرض ، وأرشدهم إلى أن العقل لو اتجه اتجاها مستقيما منزها عن الهوى والتقليد لوصل إلى معرفة اللّه تعالى والإيمان به ، وهكذا يكون النظر العقلي إعمالا للنصوص القرآنية ، وسبيلا إلى معرفة الخالق - جل جلاله - . [ مذاهب الفرق الكلامية ( 251 ) ] . ( 2 ) ذهب الغزالي إلى نقد الفلاسفة ، وبذل في ذلك أقصى جهده ، فإذا طالعنا الكثير من كتبه : كتهافت الفلاسفة ، والمنقذ من الضلال ، وقواعد العقائد ، والاقتصاد في الاعتقاد ، وفيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ، وجدناه حريصا تمام الحرص على إبراز موقف الفلاسفة ، وذلك لا لشيء إلا لكي يهاجم موقفهم ، ويحطم كثيرا في أسسه وتفصيلاته . لقد وقف ذلك الموقف الهجومى حين بحث في موضوع العلم الإلهى كما سبق أن رأينا ، وهو الآن يقف هذا الموقف حين بحثه لموضوع المعاد . [ مذاهب فلاسفة المشرق ( 299 ) ] . ( 3 ) الفيلسوف هو الذي يتصدى لمعرفة الأشياء الصعبة التي لا يرقى إلى معرفتها الإنسان العادي ، والمعرفة الحسية المشتركة بيننا جميعا هي معرفة سهلة ، وليس فيها شيء من الحكمة ، وفضلا عن ذلك فإن الفيلسوف الذي يعرف الأسباب على نحو دقيق يكون أكثر قدرة من غيره على تلقينها وتعليمها إلى الآخرين ، والفلسفة هي العلم الذي نختاره من أجل أن غايته هي العلم ذاته ، لا من أجل النتائج التي ينتهى إليها . وخلاصة القول : إن الفلسفة هي العلم بالكلي ، والذي يعرف الكلى يعرف إذا جميع الجزئيات التي تندرج تحته . [ الفكر الفلسفي ( 79 ) ] .