الشيخ عبد الغني النابلسي

74

كتاب الوجود

واضح لغة ، وإن كان كل فعل منهما متعديا إلى المفعول بنفسه ، وقد يستعمل الثاني قاصرا مطاوعا لصور ، تقول : صورت المسألة ، فتصورت المسألة ، وكل فعل منهما يأتي لمعان . قال الجاجرمى - رحمه اللّه تعالى - في كتابه في أصول الفقه : « التفعيل على تسعة أوجه يشابه الأفعال في التعدية ، نحو : فرحته ، وعزمته ؛ أي أفدت فرحا ، وأثبت عزما ، وقد يكون للمبالغة وتكثير العمل ، نحو : غلّقت « 1 » الباب ، وقفلت ، فإنه يفيد من المبالغة ما لا يفيده أغلقت وأقفلت ، وكذلك نقول : جولت في البلاد وطوفت فيها ، إذا أردت كثرة التطواف والتجوال ، فإذا لم ترد الكثرة قلت : صلت وطفت ، وقد يكون مضادّا للأفعال ، تقول : أعزرت في طلب الشيء ؛ أي بالغت ، وعزرت قصرت ، وقد يكون لسلب الثلاثي نحو فزعته وجلبت البعيد ؛ أي أزلت الفزع والجد ، ويكون بمعنى من نحو : عضته ، وعوضته ، ومزته وميزته ، ويكون على مضادة فعل ، تقول : نميت الحديث ؛ أي نقلته على جهة الإصلاح ، ونميته ؛ أي نقلته على جهة الإفساد . ويكون للوصف بالشيء ، نحو : شجعته ، وحينته ، وضللته ، وفسقته ، وزينته ، وكفرته ، ويكون للدعاء ، نحو : حييته ، وسقيته ، إذا قلت له : حياك اللّه ، وسقاك اللّه الغيث ، ويكون بمعنى صار ذا كذا ، كالمثل المشهور : « من دخل ظفار حمّر » ؛ أي صار حميريّا ، وظفار موضع في اليمن » انتهى . فهذه تسعة معان لصيغة فعّل بالتشديد ، فالمناسب هنا منها في صيغة صوّر ؛ حيث يقال عنه تعالى : لا تصوره العقول ، المعنى الأول يعنى : لا تفيده العقول صورة ، أو لا ثبت له صورة ، ولا يناسب المعنى الثاني ، ولا الثالث ، ولا الرابع ، ولا الخامس ، ولا السادس ، ويحتمل المعنى الثامن ، ويحتمل المعنى التاسع . فنقول : صورته ؛ أي وصفته بالصورة « 2 » ، ولا يناسب المعنى الثامن ، ويحتمل التاسع ،

--> ( 1 ) غلّق الباب : بالغ في إغلاقه . [ المعجم الوجيز ( 453 ) ] . ( 2 ) قال في المعجم الصوفي ( 151 ) : صورة الحق قيل : عبارة عن الذات المقدسة للنبي بواسطة تحقق الذات النبوية بالحقيقة الأحدية ، والصورة الإلهية : عبارة عن الإنسان الكامل بواسطة تحققه بالأسماء الإلهية ، وصورة الإرادة : هي انقطاع النفس عن رؤية وقوع شيء بإرادة غير اللّه ، وشهود وقوع جميع الأشياء بإرادة الحق تعالى .