الشيخ عبد الغني النابلسي
72
كتاب الوجود
صنفها بعض المنكرين عليهم ، فكأنهم نسبوهم إلى الوجود الحق الذي قام به كل شيء ، وتبرأ واهم من النسبة الأولى إلى ذلك ؛ تشنيعا عليهم ، وإنكارا لما هم عليه ، ونسبوا أنفسهم هم إلى اللّه تعالى « 1 » . وما ذا بعد الحق إلا الضلال لو كانوا يعلمون ؟ فإن الوجود الحق الذي قام به كل شيء وثبت وتحقق إذا لم يكن هو اللّه تعالى ، فما ثمّ غيره إلا الخيال والتصور الواقع ، ذلك في العقل ، فترى الواحد منهم يتحاشى أن يعتقد أن الوجود الحق الذي به كل شيء موجود - أي محكوم عليه بالوجود عند العقل - هو اللّه تعالى . ويعتقد في عقله خياله يخيله له عقله ، وصورة يتصورها في نفسه أن ذلك هو اللّه تعالى « 2 » ، فإذ عبد اللّه تعالى كانت عبادته متوجهة عنده إلى ما تخيله أنه اللّه تعالى ، وإلى ما تصوره في عقله ، كما قال تعالى : أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ( سورة الصافات : 95 - 96 ) . وهم قاطعون جازمون بذلك ، منكرون لمن خالفهم ومقبحون له ، فإذا جئت إليهم من جهة علمهم الذي هم يزعمون ويفترون به ، فقلت لهم : عندكم قاعدة مسلمة من جهة المعقول أن الحكم فرع التصور ، والصور أصل الحكم ، فلا يمكن
--> ( 1 ) الظاهرية هم اتباع أبى سليمان داود بن علي الأصبهاني ، إمام أهل الظاهر وفقيههم ، وكان أول من انتحل الظاهر ، وأخذ بالكتاب والسنة وألغى ما سوى ذلك من الرأي والقياس ، واضطر إلى ذلك بعد ما صار التأويل أسلوبا متبعا أدى إلى الاضطراب في العقيدة ، والفوضى في الفهم ، فكثر الاختلاف وارتفعت المحبة ، وتفرق المسلمون فرقا صيرتهم إلى الشنآن والتباغض والحروب ، فخرقوا الشرع وزالت التقوى . [ المرجع السابق ( 286 ) ] . ( 2 ) أنكر الإمام أحمد بن حنبل قول الجهمية بالتعطيل وتأويل القرآن والحديث ، كما أنكر بشدة تشبيه المشبهة ، وفي عقيدته أن يؤمن المؤمن باللّه بلا كيف ، ويقول : إن اللّه سميع يسمع ، وبصير يبصر من غير تشبيه ولا تمثيل ؛ لأنه ليس كمثله شيء . وقال في الوجه : إن للّه وجها لا كالصورة المصورة ، والأعيان المخططة ، وذهب أن للّه تعالى نفسا : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ( آل عمران : 28 ) ، وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ( طه : 41 ) ، وليست كنفس العباد التي هي متصعدة مترددة في أبدانهم ، بل هي صفة له في ذاته . [ المرجع السابق ( 197 ) ] .