الشيخ عبد الغني النابلسي
60
كتاب الوجود
المصباح في زجاجة وهي مثل الروح الأعظم . والمصباح « 1 » مثال العقل الأول الذي هو أول مخلوق كما سنذكره . وهو الذي يثبت هذا الوجود الثاني الحادث ، ويصف به الأشياء ، وذلك بإضافتها إلى الوجود الأول القديم . ( الزّجاجة ) : كأنها كوكب درى كالشمس والقمر ونحوهما في الإشراق وإنارة الدنيا بذلك . يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ وهي مثال الذات العلية الوجود الحق لا ظاهرة شرقية ؛ لأن الظاهر هو الحوادث القائمة لها ولا باطنة غربية ؛ لأن الظاهر هو الحق لا غيره ، وما سواه عدم محض في نفسه ، إلى أن قال سبحانه مشيرا إلى أن ظهوره وتجليه بالأشياء هو النور الثاني الأسفل بالنسبة إلى النور الأول الأعلى في قوله تعالى : ( نُورٌ عَلى نُورٍ ) . ثم قال : يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ يعني : يهدى بالنور الثاني إلى النور الأول من يشاء من عباده . وقال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ « 2 » ؛ وهو عين الرحمة التي وسعت كل شيء في قوله تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ « 3 » فلا شك أن
--> ( 1 ) قال أبي بن كعب : المصباح : النور ، وهو القرآن والإيمان الذي في صدره ، وقال السدي : هو السراج و ( المصباح في زجاجة ) ، أي هذا الضوء مشرق في زجاجة صافية . وقال أبي بن كعب وغير واحد : وهي نظيرة قلب المؤمن ( الزّجاجة كأنّها كوكب درّيّ ) كوكب مضيء ، وقال قتادة : مضيء مبين ضخم . وقرأ بعضهم بضم الدال من غير همزة من الدر ، أي : كأنها كوكب من در ، وقرأ آخرون درئ ، ودرئ - بكسر الدال وضمها مع الهمزة ، من الدرء ، وهو الرفع ، وذلك أن النجم إذا رمى به يكون أشد استنارة من سائر الأحوال . انظر تفسير ابن كثير ( 3 / 299 ) . ( 2 ) سورة الأنبياء : 107 . ( 3 ) سورة الأعراف : 156 . آية عظيمة الشمول والعموم كقوله تعالى إخبارا عن حملة العرش ومن حوله أنهم يقولون : رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً . وروى الإمام أحمد بسنده عن سلمان عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال : " إن اللّه عز وجلّ خلق مائة رحمة ، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق ، وبها تعطف الوحوش على أولادها وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة " . تفسير ابن كثير ( 2 / 256 ) .