الشيخ عبد الغني النابلسي

55

كتاب الوجود

حقائق كثيرة مختلفة غير موصوفة بذلك الوجود الواحد القيم في نظر العارفين ؛ لأنه لا يصح أن يكون القديم صفة للحادث « 1 » ، ولا يصح أن تكون الذات صفة للذات أيضا ، فإن الوجود عند العارفين ذات مستقلة بنفسها تظهر بالحوادث وتبطن عنهم بهم ، وهي ظاهرة لنفسها أزلا وأبدا ، وليست هي عرضا حتى تكون صفة للحوادث ، ولا يصح عند العارفين أن تتصف الحوادث بالوجود ؛ لأنه لولا الوجود لما كان حادث أصلا . فافتقار الحوادث إلى الوجود « 2 » مانع من أن يكون الوجود صفة لها إذ الصفة من شأنها أن تفتقر إلى الموصوف بها ، فيلزم الدور في الافتقار بأن يفتقر الوجود إلى الحوادث من جهة كونه صفة لها ، والصفة قائمة بموصوفها لا قيام للصفة بنفسها أصلا . وتفتقر الحوادث أيضا إلى الوجود من جهة قيامها به وهو باطل محال ، وأن العقل الذي جعل به تكليف المكلفين يحكم بأن الوجود صفة للحوادث ، ويحكم بأنه غير الوجود القديم على طريق غلبة الوهم عليه ؛ فإنه يقتضى أن يكون الوجود اثنين « 3 »

--> ( 1 ) مما أحنق الفقهاء على ابن عربى قوله بمذهب وحدة الوجود : فقد ذهب إلى أن الوجود كله واحد وأن وجود المخلوقات عين وجود الخالق لا فرق بينهما من حيث الحقيقة ، أما ما يظن أنه فرق بين وجود الخلق ووجود المخلوق ، فيرى ابن عربي أنه أمر يقضى به الحس الظاهر والعقل القاصر عن إدراك الحقيقة على ما هي عليه في ذاتها من وحدة ذاتية تجتمع فيها الأشياء جميعا . انظر التصوف الفلسفي ( ص 35 ) طبعة دار الحديث . ( 2 ) يرى ابن عربى أن الحق لا ينفصل عن الخلق وأن الخلق بدوره لا ينفصل عن الحق ؛ لأن الخلق ليس إلا الحق ، وقد تجلى في الخلق من خلال صفاته سبحانه وصور العالم لا يمكن زوال الحق عنها أصلا فحد الألوهية له بالحقيقة لا بالمجاز كما هو حد الإنسان إذا كان حيا ، وكما أن ظاهر صورة الإنسان تثنى بلسانها على روحها ونفسها والمدبر لها ، كذلك جعل اللّه صورة العالم تسبح بحمده ولكن لا نفقه تسبيحهم ؛ لأنا لا نحيط بما في العالم من الصور . ( المرجع السابق ص 44 ) . ( 3 ) يرى ابن عربى أن الواحد هو الكثرة ، وأن الحق هو الخلق ، وأن الظاهر هو الباطن ، وأن القديم هو الحادث ، وأن الخالق إن جاز استخدام هذا التعبير في مذهب ابن عربى يكون هو بعينه المخلوق ؛ ذلك أن ابن عربى لم يقل بفكرة الخلق من العدم البتة ؛ لأنه سوّى بين الواحد والكثرة بحيث صار موجودا واحدا ، فإذا كان اللّه أزليا وهو كذلك ، فإن هذه الكثرة المتحدة به ينبغي أن تكون أيضا أزلية . ( المرجع السابق ص 45 ) .