الشيخ عبد الغني النابلسي
5
كتاب الوجود
إذ إنهم رجعوا إلى عقولهم وآرائهم ، فإذا استقام قبلوه ، وإن لم يستقم ردوه ، وإذا اضطروا إلى قبوله حرفوه بالتأويلات البعيدة والمعاني المستنكرة » . وقال السيوطي أيضا : « والسبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل ، فأورثهم الاتفاق ، أما أهل البدعة - يقصد الفلاسفة - فقد أخذوا الدين من المعقولات والآراء ، فأورثهم الاختلاف » . وابن تيمية يرى أن منطق اليونان لا يميز بين الصدق والكذب ؛ إذ لا يميز بينهما إلا الأنبياء ؛ ولهذا أمرنا اللّه أن نؤمن بكل ما جاء من الأنبياء ، فإنهم معصومون ، ولا يخطئون بأي حال من الأحوال . ويرى ابن تيمية إلى أنه من الخطأ الظن بأن المنطق شئ ضروري لتحصيل العلم ؛ إذ إن أفضل هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم وأئمة المسلمين عرفوا ما يجب عليهم ، وكمل علمهم ، وإيمانهم قبل أن يعرف منطق اليونان ؛ فكيف يقال إنه لا يوثق بالعلم إن لم يوزن به ؟ ! وابن القيم الجوزية في مفتاح دار السعادة ( 1 / 157 ) يقول : « إنه لو كان علما صحيحا لكانت غايته أن يكون كالمساحة والهندسة ونحوهما ؛ فكيف وباطله أضعاف حقه ، وفساده وتناقض أصوله واختلاف مبانيه توجب مراعاتها الذهن أن يزيغ في فكره ، ولا يؤمن بهذا إلا من قد عرفه وعرف فساده وتناقضه ومناقضة كثير منه للعقل الصريح . أسباب الهجوم على فلاسفة المتصوفة : استخدم فلاسفة المتصوفة اصطلاحات فلسفية ورموز غريبة في مصنفاتهم ، جعلت آراءهم غير مفهومة عند غيرهم ، ويحتاج فهمها إلى جهود غير عادية ، ومعظم المطلعين على مؤلفاتهم يفهمون خلاف ما يقصدوا إليه من المعاني والمفاهيم ، ويترتب على ذلك اتهام هؤلاء الصوفية بالخروج عن الإسلام والانحراف عن الصراط المستقيم ، وينقسم الباحثون في مؤلفات الصوفية إلى قسمين : الأول : يرى أن هؤلاء الصوفية انحرفوا عن العقائد الإسلامية الصحيحة ، ورموهم بالكفر والزندقة والإلحاد ، وما زال ذلك إلى اليوم . وقسم ثان : رأى بعد دراسات وافية وتحليلات واعية في مؤلفات الصوفية المتفلسفة