الشيخ عبد الغني النابلسي
45
كتاب الوجود
فالكل تجليات بالصور عندنا ؛ سواء كانت تلك الصور معقولات أو محسوسات ، والتجلي هو صفة الظهور والانكشاف ، ويقابله الاستتار صفة البطون والاختفاء ، وكلا الصفتين للّه - سبحانه وتعالى - بالنسبة إلى مخلوقاته ، فتارة يختار سبحانه التجلي بشيء على شئ آخر وأشياء أخر ، لا على ذلك الشئ الذي تجلى به ، بل يختار الاستتار به عن غيره أو عن بعض الغير دون بعض ، وتارة يختار تعالى التجلي بشئ عن ذلك الشئ نفسه وعلى غيره أو عن بعض الغير دون بعض ، وتارة يختار تعالى التجلي بشئ على ذلك الشئ نفسه وعلى غيره ، ولا يختار الاستتار أصلا ، وتارة يختار الاستتار أصلا ، وتارة يختار تعالى الاستتار عن ذلك الشئ وجميع الأشياء ، وكذلك هو تعالى يتجلى بما به يستتر ، ويستتر بما به يتجلى ، وهذا التجلي والاستتار كله بمجرد مشيئته تعالى وإرادته واختياره ، لا بإيجاب عليه ، ولا بعلية ومعلولية . قال تعالى : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( القصص : 68 ) « 1 » . ومعنى التجلي والاستتار منه تعالى عن مخلوقاته أمران راجعان إلى خلق المعرفة للعبد بمن يتجلى له أو بمن يستتر به . . . فيخلق اللّه تعالى في قلب عبده معرفته به تعالى « 2 » في الصورة التي تجلى عليه بها ، أو يخلق له معرفة بتلك الصورة التي تجلى عليه بها ، وهي غيره تعالى في الحالتين ؛ في الحالة
--> ( 1 ) يخبر اللّه تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار ، وأنه ليس له في ذلك منازع ولا معقب ؛ أي ما يشاء ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، فالأمور كلها خيرها وشرها بيده ، ومرجعها إليه . [ تفسير ابن كثير : ( 3 / 383 ) ] . ( 2 ) إن وضع مسألة وجود اللّه موضع البحث هو الذي هيأ لذوي الفكر المنحرفة أن يلحدوا في دين اللّه ، وأن يكفروا به سبحانه ، هذه نتيجة ، أما النتيجة الثانية فإنها ضعف الإيمان ، وإذا كنت تضع الوجود الإلهى - مجرد الوجود - موضع بحث ، فمعنى ذلك أنك وضعته موضع شك وريبة ، ولو لم يكن كذلك لما وضع موضع البحث ، وإذا كان الوجود الإلهى - مجرد الوجود - موضع شك وريبة ؛ فما ذا بقي من أمور الدين لا يوضع موضع شك وريبة ؟ ! وهذا هو ما حدث لبعض الأفراد في الأمة الإسلامية . [ الشيخ عبد الحليم محمود في هامش لطائف المنن ( 55 ) ] .