الشيخ عبد الغني النابلسي

35

كتاب الوجود

ثم أوردت لهم الحديث الذي أخرجه مسلم « 1 » في صحيحه بإسناده عن أبي هريرة رضي اللّه عنه : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال : هذا خلق اللّه ، فمن خلق اللّه ؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل : آمنت باللّه » . وفي رواية : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « يأتي الشيطان أحدكم فيقول : من خلق السماء ؟ من خلق الأرض ؟ فيقول : اللّه ، ثم يقول : من خلق اللّه ؟ » « 2 » . وزاد في الرواية : فليقل : « آمنت باللّه ورسله » . وفي رواية : أن أبا هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا وكذا ؟ حتى يقول له من خلق ربك ؟ فإذا بلغ ذلك ، فليستعذ باللّه ولينته » « 3 » .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم [ 212 - ( 134 ) ] ، كتاب الإيمان ، 60 - باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها ، عن أبي هريرة ، ولفظه : « حدثنا هارون بن معروف ومحمد بن عباد ، قالا : حدثنا سفيان ، عن هشام عن أبيه عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال : هذا خلق اللّه ، فمن خلق اللّه ؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل : آمنت باللّه » . ( 2 ) قال النووي في شرح مسلم ( 2 / 131 ) ، طبعة دار الكتب العلمية : أما معاني الأحاديث وفقهها قيل : معناه أن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه ، فينكد عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه ، وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء ، ولا يقتصر في حقه على الوسوسة ، بل يتلاعب به كيف أراد ، وأما قوله صلى اللّه عليه وسلم : « فمن وجد من ذلك شيئا فليقل : آمنت باللّه » ، وفي الرواية الأخرى : « فليستعذ باللّه ولينته » ؛ فمعناه الإعراض عن هذا الخاطر الباطل ، والالتجاء إلى اللّه تعالى في إذهابه . ( 3 ) قال الإمام المازري - رحمه اللّه - : ظاهر الحديث أنه صلى اللّه عليه وسلم أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها ، والرد لها من غير استدلال ولا نظر في إبطالها ، قال : والذي يقال في هذا المعنى أن الخواطر على قسمين ؛ فأما التي ليست بمستقرة ولا اجتلبتها شبهة طرأت فهي التي تدفع بالإعراض عنها ، وعلى هذا يحمل الحديث ، وعلى مثلها ينطلق اسم الوسوسة ، فكأنه لما كان أمرا طارئا بغير أصل ، دفع بغير نظر في دليل ؛ إذ لا أصل له ينظر فيه ، وأما الخواطر المستقرة التي أوجبتها الشبهة ، فإنها لا تدفع إلا بالاستدلال والنظر في إبطالها ، واللّه أعلم . [ شرح مسلم للإمام النووي ( 2 / 131 ، 132 ) ] .