الشيخ عبد الغني النابلسي

34

كتاب الوجود

الشئ لا يكون له إلا وجود واحد ، فكونه بذاته مبدأ لانتزاع ذلك المفهوم لا يتصور بذلك الطريق » انتهى كلامه . والحق ما عليه المحققون من المتكلمين ، كما ذكر من أن الوجود عين ذات الواجب ، وأما مذهب بعض المتكلمين الأول من أن الذات علة لوجودها ، فيلزم عليه أن تكون الذات علة ومعلولا ، فتكون مركبة من علة ومعلول ؛ وهو بديهي البطلان إن أريد به أن يكون كذلك في نفس الأمر ، وإن أريد به بحسب النظر العقلي فقط لا يكون للمتكلمين كلام في ذات الواجب من حيث هي ، واللّه أعلم بحقيقة الحال . ولقد رأيت رجلا ممن يزعم العلم والتحقيق في المعقولات « 1 » ، وتكلمت معه في مسألة واجب الوجود وأن ذاته عين وجوده ، فقال لي : وما علة وجوده ، قلت له : لا علة لوجوده ؛ لأن ذاته عين وجوده ، وكان معه آخر مثله ، وآخر ، فقالوا : كل موجود لا بد لوجوده من علة ، واللّه تعالى موجود ، فلا بد أن يكون لوجوده علة ، فقلت لهم : نعوذ باللّه من قولكم هذا ، ثم قالوا : إنه تعالى أوجد ذاته ، وأنه موجود عن ذاته « 2 » ، وإلى تعريف بعض المتكلمين لواجب الوجود بأنه الذي تقتضى ذاته وجوده ، ففرقوا بين المقتضى بصيغة اسم الفاعل وبين المقتضى بصيغة اسم المفعول ، فأنكرت عليهم ذلك غاية الإنكار ؛ لما يقتضيه كلامهم من الضلال عند أهل الاستبصار .

--> ( 1 ) يرى ابن سينا أن إدراك العقل للمعقول أقوى من إدراك الحس للمحسوس ؛ لأن العقل يعقل ويدرك الأمر الباقي الكلي ، ويتحد به ويصير هو ما هو على وجه ما ، ويدركه بكنهه لا بظاهره ، وليس كذلك إدراك الحس للمحسوس ، فاللذة التي تجب لنا بأن نعقل ملائما هي فوق اللذة التي تكون لنا . [ النجاة لابن سينا ( 245 ) ؛ وفي الشفاء ( 7 / 262 ) ] . ( 2 ) وجود الممكنات في رأى ابن عربى هو عين وجود اللّه ، وليس تعدد الموجودات وكثرتها إلا وليد الحواس الظاهرة ، والعقل الإنسانى القاصر هو الذي يعجز عن إدراك الوحدة الذاتية للأشياء ، فالحقيقة الوجودية واحدة في جوهرها وذاتها ، متكثرة بصفاتها وأسمائها ، لا تعدد فيها إلا بالاعتبارات والنسب والإضافات ، إذا نظرت إليها من حيث ذاتها قلت : هي الحق ، وإذا نظرت إليها من حيث صفاتها قلت : هي الخلق . [ انظر : مقدمة فصوص الحكم ( 24 ) ] .