الشيخ عبد الغني النابلسي
28
كتاب الوجود
الموجودات كثيرة مختلفة والوجود واحد لا يتعدد ولا يختلف في نفسه ، وهو عندنا حقيقة واحدة لا تنقسم ولا تتجزأ ، ولا تتعدد بتعدد الموجودات ، والوجود أصل ، والموجودات تابعة له ، صادرة منه ، قائمة به ، وهو المتحكم فيها بما يشاء من التغيير والتبديل ، ومعنى الموجود شئ له الوجود ، كما سنذكره لأنه هو عين الوجود ، وكل منا إنما هو في وحدة الوجود لا في وحدة الموجود ، فإن الموجود ليس واحدا بل فيه الكثرة كما قال تعالى : وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ( الأعراف : 86 ) . وصل : اعلم أننا لم نرد بقولنا إن الوجود هو اللّه « 1 » تعالى إطلاق لفظ الوجود على اللّه تعالى حتى يقال لنا إن أسماء اللّه تعالى توقيفية أو غير توقيفية على حسب الخلاف الواقع في المسألة عند علماء الكلام ، وهل ورد في الأسماء الإلهية لفظ الوجود أو لم يرد « 2 » ، وإنما أردنا عبارة توصيلية تخرج الأفهام عن إرادة المعاني التحليلية ، فيحصل الانفصال عن معتقد الفرقة الخيالية التصورية ، العابدين لصور خيالاتهم وعقولهم كما سنذكره . وتلك العبارة هي لفظ الوجود الذي يعرفه كل واحد من أنه الأمر الواجد الذي يصح أن يقال : إن كل شئ قائم به ، فإذا قام به الشئ يصح أن يقال لذلك الشئ : إنه موجود ؛ سواء تسمى باسم الوجود ، أو باسم الحق ، أو باسم اللّه ، أو بأي اسم سمى
--> ( 1 ) ذهب ابن عربى إلى أن الوجود كله واحد ، وأن وجود المخلوقات عين وجود الخالق ، لا فرق بينهما من حيث الحقيقة ، أما ما يظن أنه فرق بين وجود الخلق ووجود المخلوق ، فيرى ابن عربى أنه أمر يقضى به الحس الظاهر والعقل القاصر عن إدراك الحقيقة على ما هي عليه في ذاتها من وحدة ذاتية تجتمع فيها الأشياء جميعا ، ويدل على ذلك قوله : « سبحان من خلق الأشياء وهو عينها » ، وقوله في هذين البيتين : يا خالق الأشياء في نفسها * أنت لما تخلقه جامع تخلق ما لا ينتهى كونه * فيك فأنت الضيق الواسع [ انظر التصوف الفلسفي ( 35 ) ] . ( 2 ) لمذهب وحدة الوجود عدة صور جديدة كوحدة الوجود الإسبينوزية التي تقرر أن اللّه وحده هو الموجود الحق ، ووحدة الوجود المثالية ( هيجل ) التي تقرر أن اللّه هو الروح الكلى الكامن في الأرواح الجزئية ووحدة الوجود الطبيعية . [ المرجع السابق ( 34 ) ] .