الشيخ عبد الغني النابلسي
19
كتاب الوجود
الوصل الأول الذي عليه المعول « 1 » : اعلم أن المطلب الأهم عند مريد المعرفة الإلهية هو صرف الهمة إلى تحقيق الوجود ، والتحقق به في الشهود إلى أن يتجرد عن ملابس الصور الحسية العقلية والخيالية تجردا أصليّا ، لا تجردا عارضيّا ، فيكون كما هو كائن أزلا وأبدا . وهذا باب المعرفة الذي يدخل منه المؤيد الموفق إلى بيت العرفان ومقام الإحسان ، فلا يخرج أبدا إلى الأبد ؛ وهو المطلب الذي يشمل المطالب كلها ، وأما مطلب غير أهل المعرفة الخاصة فهو تحقيق التوحيد ، والتحقق بالوحدانية علما يقينا ، فهو مطلب شريف ؛ لكنه دون الأول كما يشير إلى ذلك قول الشيخ الأكبر - قدس اللّه سره - في الفتوحات المكية « 2 » ، وآخر باب الصلاة في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا * ، ولم يقل بما ذا ؛ هل بالوجود أم بالتوحيد ؟ فحمله على الوجود الذي هو أعم وأولى ؛ لأنه أعلم في الرحمة ، فقال لهم : اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ؛ أي في كل حال . انتهى كلامه وتبين مرامه . وصل : اعلم بأنك إذا سمعتنا نقول : إن الوجود هو اللّه تعالى فلا تظن أننا نريد بذلك أن الموجودات هي اللّه تعالى « 3 » ؛ سواء كانت الموجودات محسوسات أو معقولات ، وإنما نريد بذلك أن الوجود الذي قامت به جميع الموجودات هو اللّه تعالى ،
--> ( 1 ) كذا في كل فقرة من فقرات كتاب المصنف هذا ، ولكنه استبدل الجملة بكلمة « وصل » إلى آخر كتابه . ( 2 ) « الفتوحات المكية » أعظم وأشهر ما كتب الحكيم الإلهى والشيخ الأكبر محيى الحق والدين والبحر الزاخر في المعارف ، العارف باللّه محيي الدين بن عربي ، جمع فيه علوم الدين كلها ، وأورد فيه الكثير من جوانب حياته وتطوراته الروحية ، ويحتوى على خمسمائة وستين فصلا ، ويعتبر الفصل التاسع والخمسون بعد الخمسمائة خلاصة الكتاب . [ انظر : المعجم الصوفي للدكتور عبد المنعم الحفنى ( 189 ، 190 ) ] . ( 3 ) أطلقت بعض الفرق الصوفية اصطلاح وحدة الوجود ، وهي أن الحقيقة الوجودية واحدة ، وأن الكثرة الظاهرة مظاهر وتعيينات فيها : أي أن الخلق الظاهر هو الحق الباطن ، ويعرف أهل هذه الفكرة بأصحاب وحدة الوجود أو القائلين بالاتحاد . [ المعجم الصوفي ( 257 ) ] .