الشيخ عبد الغني النابلسي

140

كتاب الوجود

--> تعالى ، فكان القول بأن وجود اللّه تعالى به كل شيء في معنى خلق وجود كل شيء ، وفرضه وتقديره ، قولا بإثبات الصفات للّه تعالى على حد ما يقوله علماء الرسوم وعلماء الكلام بلا خلاف ، والحاصل أن جميع علماء الظاهر لا حق معهم في الطعن على القائلين بوحدة الوجود من المحققين العارفين القائلين بذلك على وجه الحق ، والصواب كما ذكر . وأما القائلون بوحدة الوجود من الجهلة الغافلين ، والزنادقة الملحدين الزاعمين بأن وجودهم المفروض المقدر هو بعينه وجود اللّه تعالى ، وذاتهم المفروضة المقدرة هي بعينها ذات اللّه تعالى ، وصفاتهم المفروضة المقدرة هي بعينها صفات اللّه تعالى ، الذين يحتالون بذلك على إسقاط الأحكام الشرعية عنهم ، وإبطال الملة المحمدية ، وإزالة التكليف عن نفوسهم فالطعن عليهم بسب وحدة الوجود على هذا المعنى الفاسد طعن صحيح ، وعلماء الظاهر مثابون بذلك كمال الثواب من الملك الوهاب ، والعارفون المحققون معهم في هذا الطعن من غير خلاف ، وقد أشار إليهم الشيخ عبد الكريم الجيلى - قدس اللّه تعالى سره - في كتابه كشف الخلق ، في أوائله من الوصايا ؛ حيث قال : « أخي - يرحمك اللّه - قد سافرت إلى أقصى البلاد ، وعاشرت أصناف العباد ، فما رأت عيني ولا سمعت أذني أشر ولا أقبح ولا أبعد عن جناب اللّه تعالى من طائفة تدعى أنها من كمل الصوفية ، وتنسب نفسها إلى الكمل ، وتظهر بصورتهم ، ومع هذا لا تؤمن باللّه ورسوله ، ولا باليوم الآخر ، ولا تنقيد بالتكاليف الشرعية ، وتقرر أحوال الرسل وما جاءوا به بوجه لا يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ؛ فكيف من وصل إلى مراتب أهل الكشف والعيان ، ورأينا منهم جماعة كثيرة من أكابرهم في بلاد أذربيجان وشروان وجبلان وخرسان ، لعن اللّه جميعهم . فاللّه اللّه يا أخي لا تسكن في قرية فيها واحد من هذه الطائفة ، لقوله تعالى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ( الأنفال : 25 ) . وإن لم يتيسر لك رحيل فاجتهد ألا تراهم ولا تجاورهم ؛ فكيف إن تعاشرهم وتخالطهم ، وإن لم تفعل فما نصحت نفسك ، واللّه الهادي » انتهى . وكلامه هذا عن القائلين بوحدة الوجود على حسب كما ذكرناه من المعنى الفاسد ، ولكن علماء الظاهر إذا ترفعوا من الطعن في هؤلاء الرعاع السفلة ، المارقين من الدين مروق السهم من الرمية ، إلى الطعن في تلك السادة الأئمة العارفين ، وكتبهم ومصنفاتهم مشحونة بإثبات الوجود الحادث المفروض المقدر صريحا وإشارة ، والحكم بأنه غير الوجود القديم ، وإن كانوا قابلين بوحدة الوجود ، غير أنهم تارة يغلب عليهم شهود الوجود الحق الحقيقي الذي به كل شيء موجود ، فيقولون ما عداه ، ويقولون عما سواه إنه خيال ، وإنه سراب ، وإنه هالك فان مضمحل ، زائل ، لا وجود له أصلا ، وهم صادقون في ذلك ؛ لأن كل ما سوى الحق تعالى -