الشيخ عبد الغني النابلسي

138

كتاب الوجود

--> - لكونه مفروضا مقدرا فيه ، ولا حل في الماء شيء ، ولا حل الماء في شيء ، ولا اتحد الماء مع ذلك الزاج المفروض المقدر ولا الزاج مع الماء ، وإنما هما حقيقتان ماء حقيقي موجود بنفسه ، وزاج أو زنجفر مفروض مقدر ، لا وجود له بنفسه ، بل بوجود الماء الفارض المقدر له فيه . وإذا كان الوجود واحدا مشتركا في الظاهر بين الوجود المحقق ؛ وهو الماء ، وبين المفروض المقدر ؛ وهو الزاج أو الزنجفر ، فلا يمتنع ألا يكون مشتركا أصلا في حقيقة الأمر ، كما أن اللفظ الواحد إذا كان مشتركا في الاستعمال بين معناه الحقيقي الموضوع له ، ومعناه المجازى غير الموضوع له لا يمتنع ألا يكون مشتركا أصلا في الموضع ، بل الوجود هو وجود الماء المحقق وحده ، والزاج أو الزنجفر المفروض المقدر له وجود آخر مفروض مقدر مثله هو عين ذاته ونفس صورته ، مثل ما قال الأشعري - رحمه اللّه تعالى - وزائد على ذاته وصورته ، كما قال الفخر الرازي مما هو مذكور في موضعه من علم الكلام في مبحث الوجود ، فإن القائلين بوحدة الوجود مرادهم بالوجود الوجود الذي به صار الموجود موجودا ، لا الوجود الذي هو مفروض مقدر الممكن من جنسه ، فافهم بهذا المثال ، وللّه المثل الأعلى في السماوات والأرض . وبيان ذلك المثال بأن الوجود الحق عين ذات الحق تعالى ، وهو وجود واحد لا ينقسم ولا ينقض ولا يتجزأ ولا ينتقل ولا يتغير ولا يتبدل أصلا ، وهو مطلق عن الكيفيات والكميات والأماكن والأزمان والجهات ، ولا يتصور فيه الحلول في شيء ؛ إذ ليس معه شيء غيره ، ولا يتحد مع شيء ؛ إذ لا شيء معه ، وإنما جميع الأشياء به موجود ، وبوجوده الذي هو عين ذاته شهوده ، وجميع الأشياء بالنظر إلى ذواتها مفروضة مقدرة ، مثل الزاج والزنجفر في مثالنا المذكور ، وإن أثبتنا لها وجود آخر غير وجوده تعالى ، مثل ما يقول به علماء الرسوم وعلماء الكلام ؛ سواء كان الوجود عين ذاتها ، أو زائدا على ذاتها ، فإن ذلك الوجود مفروض مقدر أيضا مثلها ، فينتقل الكلام إلى ما به ذلك الوجود المقدر موجودا أيضا ، وهو وجود اللّه تعالى بلا شك ولا ريب ، ويضطر الكل إلى القول بوحدة الوجود على حسب ما ذكرناه ، فيقال لعلماء الرسوم وعلماء الكلام : كيفما قلتم في وجود ما سوى اللّه تعالى من العوالم ، نقول لكم : كل ذلك قائم بوجود اللّه تعالى ، وهو مفروض مقدر في نفسه ؛ لأنه مخلوق ، فهو بالنظر إلى ذاته حرف ، وإنما وجوده بوجود اللّه تعالى ، فالوجود للّه تعالى وحده ، وإن وجد به ما سواه كما تقول لمن قال لنا يلزم على قولكم الجبر في أفعال المكلفين ونفى الإخبار عنهم : كيف تقولون أنتم في أفعال المكلفين ، فنحن نقول مثلكم ، ومعلوم أنكم تقولون إذ العبد له جزء اختياري ، وبذلك صار له مدخل في أفعاله ، فنقول لكم : نحن كلامنا عن جملة ذلك ، فإن اللّه تعالى خالق الكل والخلق الفرض والمقدر . فنرجع إلى مسألتنا وحدة الوجود والمفروض المقدر كيفما فرضناه وقدرناه محتاج إلى الوجود ، -