الشيخ عبد الغني النابلسي
130
كتاب الوجود
وروى أيضا عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه عزّ وجلّ عبادا هم الخصماء الصادين عن دين اللّه عزّ وجلّ يخاصمونهم بحجة ، هم قادة الحق والدعاة إلى اللّه ، والذابون عن حرمه ، والقائمون بأمره أئمة الهدى ، بهم قام الكتاب ، وبهم نطق الكتاب ، وبه نطقوا ، أحباء اللّه وشهداؤه على خلقه ، فمن تبعهم سلم ، ومن خالفهم خسر ، أولئك بنيت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها ، لا يبغون عنها حولا » « 1 » . فقوله : هم الخصماء ؛ أي يخاصمون في الدنيا للصادين ؛ أي المانعين بإنكارهم عليهم وعلى طريقهم الحق من جهلهم بما هم فيه من الحق المبين ، يتكلمون بالحجج القطعية من الكتاب والسنة ؛ ليبينوا دين اللّه الحق ، وينصروا ظهوره تعالى بالوجود الحق ، وفناء كل ما سواه في ظهوره سبحانه الذي هو مقتضى كتاب اللّه تعالى ومقتضى سنة نبيه - عليه الصلاة والسلام - في حق أهل الخصوص وإن كانوا يتكلمون « 2 » .
--> - وعلى هذا تعد طريقتهم فردية ؛ إذ لكل سالك إلى اللّه حياته الفردية الخاصة وعالمه الروحي الذي يعيش فيه وحده ، وهذه الطريقة هي المعراج الروحي ، وهي ما أطلقوا عليه السلوك والمعراج ، وقسموها إلى مراحل أو منازل سموها بالمقامات ، كما سموا الأحداث النفسية والمغامرات الروحية التي تعرض لهم باسم الأحوال . [ عوارف المعارف للسهروردى ( 289 - 290 ) ؛ وعلى هامش إحياء عوم الدين للغزالي ] . ( 1 ) قال ابن كثير في تفسيره ( 3 / 111 ) : قال مجاهد : الفردوس هو البستان بالرومية ، وقال كعب والسدى والضحاك هو البستان ، وقال أبو أمامة : الفردوس سره الجنة ، وقال قتادة : الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها . وقد روى في الصحيحين : « إذا سألتم اللّه الجنة ، فاسألوه الفردوس ؛ فإنه أعلى الجنة ، وأوسط الجنة ، ومنه تفجر أنهار الجنة » ، وفي قوله : لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا ؛ أي لا يختارون عنها غيرها ، ولا يحبون سواها . ( 2 ) قال في لطائف المنن ( ص 42 ) : اعلم - رحمك اللّه - أن اللّه لم يأمر العباد بشيء وجوبا أو يقتضيه منهم ندبا إلا والمصلحة لهم في فعل ذلك الأمر ، ولم يقتض منهم ترك شيء تحريما أو كراهة إلا والمصلحة لهم في أمرهم بتركه وجوبا أو ندبا ، ولسنا نقول كما قال من عدل به عن طريق الهدى إنه يجب على اللّه رعاية مصالح عباده ( كذا رأى المعتزلة ) ، بل إنما نقول : ذلك عادة الحق وشرعته المستمرة ، فعلها مع عباده على سبيل التفضل ، فليت شعري إذا قالوا يجب على اللّه رعاية مصالح عباده ؛ فمن هو الموجب عليه ؟ !