الشيخ عبد الغني النابلسي

112

كتاب الوجود

وكلامنا هذا في هذا الموضع يحتاج إلى فهم دقيق ، وكمال تأمل وتحقق ؛ حتى لا يلتبس بما سنذكره من الكلام ، فإن غالب الخطأ يأتي على الإنسان من عدم تثبته بالمعاني التي تقع في الأذهان ، وأما المعنى الثاني للوجود ؛ وهو المقصود هاهنا بالبيان ، وهو الخفي عن كل إنسان به عن كل شيء من الأشياء كائنا ما كان ، ولا يظهر إلا لنفس الوجود من حيث هو وجود ، وكل شيء وجود من حيث الوجود ، فالوجود ظاهر لكل شيء من حيث إن الشيء وجود والشيئية هالكة فيه ، وأما من حيث الشيئية الهالكة فليس الوجود بظاهر للشيء أصلا ، وإذا كان من هذا الوجه غير ظاهر لأحد ، فلا يقع الحكم من أحد عليه أصلا ، لا بكونه واحدا ، ولا بكونه متعددا « 1 » ، ولا بكونه عند العقل عين ماهية الموصوف به أو زائدا على ماهية الموصوف به ؛ حيث به سواء كان الموصوف به قديما أو حادثا فهو الوجود نفسه باعتبار ما هو عليه في نفس الأمر ، مع قطع النظر من تعقل المتعقل له ، فلو تعقله متعقل في حال ظهوره في شيء من الأشياء مطلقا كان الوجود من حيث قيام ذلك الشيء المتعقل به ظاهرا لنفسه من حيث قيام عقل ذلك المتعقل به والوجود واحد لم يتعدد قام به ذلك الشيء المتعقل ، وقام به أيضا عقل المتعقل لذلك الشيء ، والعقل والتعقل والمعقول أشياء قائمة بذلك الوجود الواحد ، لا الوجود قائم بذلك العقل والتعقل والمعقول ، ومن جعل الكون دليلا على اللّه تعالى ناظر إلى أن الوجود صفة للكون « 2 » . ولهذا قال الشعراني - رحمه اللّه تعالى - في كتابه

--> ( 1 ) يقول الباقلاني في كتابه التمهيد ، ( ص 25 ) ، وهو بصدد بحث موضوع وحدانية اللّه : « وليس يجوز أن يكون صانع العالم اثنين ولا أكثر من ذلك ، والدليل على ذلك أن الاثنين يصح أن يختلفا ويريد أحدهما ضد مراد الآخر ، فلو اختلفا وأراد أحدهما إحياء جسم ، وأراد الآخر إماتته ، فوجب أن يلحقهما العجز أو واحدا منهما ؛ لأنه محال أن يتم ما يريدان جميعا لتضاد مراديهما فوجب ألا يتما ، أو يتم مراد أحدهما دون الآخر فيلحق من لم يتم مراده العجز ، أو لا يتم مرادهما ، فيلحقهما العجز ، والعجز من سمات الحدث ، والقديم لا يجوز أن يكون عاجزا » . ( 2 ) يشير التفتازاني إلى دليل التمانع أو التغالب عند المتكلمين فيقول : « إن صانع العالم واحد ، فلا يمكن أن يصدق مفهوم واجب الوجود إلا على ذات واحدة ، والمشهور في ذلك بين -