الشيخ عبد الغني النابلسي
110
كتاب الوجود
وظهوره عند الذكي والبليد ، والغوى والرشيد ، وتصويره بديهي فطري ؛ إذ لا يفتقر أحد في إدراكه إياه إلى دليل من خارج ، ولا إلى سلم ومعارج ؛ لأن كل أحد غير غالب عن وجوده الخاص به ؛ وهو الذي يشير إليه كل أحد بقوله : أنا ، وهو آنيته التي يشير إليها غيره ، ولهم هاهنا قياس يقيني ، وبرهان نظري لا يشك فيه لبيب عاقل ، وهو قول القائل : تصور وجودي بديهي الوجود ؛ أي المطلق الكلى العقلي جزء منه ، وتصور جزء المتصور بالبديهة بديهي ، فالوجود بديهي « 1 » . والوجود من حيث مفهومه لا جزء له ولا أعم منه ، فلا جنس له ، فلا فصل له ، فلا حد له ، ولا لازم أظهر منه ، فلا رسم له ؛ إذ الحد عبارة عن الجمع بين الجنس والفصل ، وليس للوجود جنس أعم منه حتى يضاف إليه فصله ، فيحصل منه الحد ، والرسم عبارة عن تعريف الشيء الخفي بالشيء الواضح ، ولا أظهر من الوجود ولا أشهر منه حتى يعرف به ؛ لكن إذا ذكر لفظ الوجود للعجمى ولم يفهم بدل بالعجمية ليفهم المراد باللفظ ، فإذا الوجود وهو الأمر الذي لا تخرج عنه حقيقة من الحقائق الموصوفة بالوجود ، ولا يوصف هو ، ولا ينعت ، ولا يحد ، ولا يرسم بالنظر إلى ذاته سوى أنه وجود ، ولم يوصف أيضا بالوجود إلا بالنظر إلى الموجود . وللّه در القائل : وجودي وحسبي أن أقول وجود * له كرم منه عليه وجود تنزه عن نعت الكمال لأنه * لمعنى اعتبار النقص فيه يقود ولكنه فيه الكمال وضده * له منه والمجموع فيه صمود
--> ( 1 ) كانت أدلة المتكلمين تتعلق بفكرة تناهى الزمان والأغراض ، فإن لهم أدلة أخرى تعبر عن زوايا جديدة من النظر ، ومنها ذهابهم إلى أن معنى المفعول هو المنتقل من العدم إلى الوجود ؛ أي من ليس إلى شيء أو أيس . . . ، وهذا أيضا معنى المحدث ؛ وهو ما لم يكن ثم كان ، فإذا كان الفلاسفة يرون أن المحدث هو الذي لم يزل ، فإن هذا يعد خلافا للمعقول ؛ إذ إن الذي لم يزل هو الذي لا فاعل له ولا مخرج له من عدم إلى وجود ، فلو كان العالم لم يزل ، لكان لا مخرج له ولا فاعل له . [ الفصل في الملل والنحل ( 1 / 24 ) ] .