الشيخ عبد الغني النابلسي

9

ديوان الحقائق ومجموع الرقائق

إله إلا اللّه فمن قال : لا إله إلا اللّه عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على اللّه عزّ وجلّ » « 1 » . وقدّس اللّه روح الشيخ أرسلان الدمشقيّ « 2 » حيث قال في رسالته وعلى الصواب فيها احتوى : الناس تائهون عن الحق بالعقل وعن الآخرة بالهوى . وقال في أول رسالته : ليخرجك إلى السّعة الإلهية من ضيق صورتك النفسانية والحرج والضنك « 3 » . كلك شرك خفيّ ولا يبين لك توحيدك إلا إذا خرجت عنك ، فتأمّل بفهمك الصحيح لا السقيم يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [ الانفطار : 6 ] ، وانتشق ريا هذا الأرج « 4 » ، وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] ، وقل لأهل الأفكار والعقول الملحدة ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ [ النحل : 78 ] . وكيف تطلبون من الدليل معرفة ربكم ، وربكم هو الذي دلّكم على الدليل ؟ أين إسلامكم له وإيمانكم به وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [ الأنعام : 102 ] . أولم تسمعوا إلى قوله تعالى في حق من قبلكم من الذين هم مشركون : قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [ المؤمنون : 84 - 90 ] . وأيّ فرق بينكم وبينهم إذا لم تكتفوا بمجرّد الإسلام له والإيمان ، وتشهدوا بما أنتم تعلمونه مخلوقا له من هذه الأعيان ، فقد تساويتم معهم في التعنّت « 5 » العقليّ وطلب الدليل والبرهان ، بل أنتم في أنفسكم أقوى برهان ودليل على وجود الخالق الجليل ، فلا تطلبوا له أكثر من هذا الظهور ظهورا هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [ الإنسان : 1 ] ولا تقصدوا معرفته بما خلق من السمع والأبصار والأفئدة فإن ذلك منه فكيف يكشف عنه هيهات هيهات لما توعدون وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَ فَلا

--> - والأسماء » وغير ذلك . الأعلام 7 / 221 - 222 ، وتذكرة الحفّاظ 2 / 150 ، وتهذيب التهذيب 10 / 126 ، وابن خلكان 2 / 91 . ( 1 ) أخرجه البخاري ( اعتصام 2 ) ، ( جهاد 102 ) ، ( زكاة 1 ) ، ( استتابة 3 ) ، ومسلم ( إيمان 32 ، 33 ) ، وأبو داود ( زكاة ، 1 ) ، والترمذي ( إيمان 1 ) ، والنسائي ( زكاة 3 ) ، ( جهاد ، 1 ) ، ( تحريم 1 ) . ( 2 ) هو أرسلان بن يعقوب بن عبد اللّه بن عبد الرحمن الجعبري ( توفي 699 ه - 1300 م ) . أحد الزهّاد الصالحين المشهورين ، من أهل دمشق ، وقبره فيها معروف . له رسالة في « التوحيد » . الأعلام 1 / 288 ، وطبقات الشعراني 1 / 132 ، وكشف الظنون 1 / 867 . ( 3 ) الضنك : الضيق والشدة . ( 4 ) الأرج : انتشار ريح الطيب . ( 5 ) التعنت : المكابرة عنادا أو الخطأ والفجور .