الشيخ عبد الغني النابلسي

17

ديوان الحقائق ومجموع الرقائق

وهو الأنهار من لبن لم يتغيّر طعمه للذائقين ، وقد عذب شربه للمشتاقين ، ورضعته أطفال القدرة من ثدي اليقين فعظم قسمه وشرف اسمه ورسمه . والباب الثالث : هو الديوان المسمّى برياض المدائح وحياض المنائح ونفحات المراسلات ونسمات المساجلات ، وهو الأنهار من ماء غير آسن « 1 » الجامع لأنواع اللطائف والمحاسن . والباب الرابع : هو ديوان الغزل المترجم بلسان المعاني الأدبية عن حضرة الأزل المسمّى بخمرة بابل وغناء البلابل « 2 » ، وهو الأنهار من عسل مصفّى ، وهو الذي يحيل نار الصبابة نورا من مقام إبراهيم الذي وفي . فدونك هذه الأربعة دواوين التي هي لمعرفة الرواجح من العقول والنواقص منها بمنزلة الموازين ، وقد اجتمعت في ديوان واحد ، نزهة للراغب والقاصد ، وهي حضرات التجلّي ونفحات التخلّي والتحلّي ، وهي ملابس الذات الصمدية في أنواع الأوصاف القيومية ، وهي اختلافات أوفاق التوحيد وائتلافات أرفاق التجريد والتفريد ، وهي المجموع الجامع لما تطرب به القلوب والمسامع ، ألحان الحان ، وكؤوس رحيق الإسلام والإيمان والإحسان الدائرة من النظم البديع الرقيق في أيدي الحسان على ندمان المعارف وإخوان الحقائق والعوارف ، وقد سمّيته ديوان الدواوين وريحان الرياحين في تجليات الحق المبين على جميع أنواع الصيغ والتلاوين ، وأسأل من اللّه تعالى أن يحرس بضاعته النافقة من العصابة المنافقة ، ويحمي بيوته العامرة من نزول عوارض العقول القاصرة ، ويرفع ذيول ملابسه الفاخرة لأعين الناظرين عن تدنيس أفهام الجاهلين والغافلين ، ويطهّر بيته المعمور للطائفين والراكعين والساجدين ، ويفتح أبواب جنته للسالكين ، فإنه تعالى نعم المرجوّ ونعم المعين ، وصلّى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم صلاة وتسليما ، يخصّان تخصيصا ويعمّان تعميما ، والحمد للّه أوّلا وآخرا ، وباطنا وظاهرا . وقد جعلت في أوّل كل باب من هذه الأربعة أبواب ، ترجمة تليق به على حسب لسان ذلك الجناب ، وأنشأت له ديباجة « 3 » مستقلة بحيث يكون كل باب منها قائما بنفسه من غير سبب ولا علّة ، وسمّيته باسم خاص ، وتوسّلت إلى اللّه تعالى أن يفتح خزائن إشاراته للعامّ من المؤمنين به والخاص .

--> ( 1 ) أسن الماء : تغيّر فلم يشرب فهو آسن . ( 2 ) البلابل : ( ج ) البلبل : طائر صغير حسن الصوت يضرب به المثل في طلاقة اللسان وحسن الصوت . ( 3 ) الديباجة للكتاب : فاتحته .