الشيخ عبد الغني النابلسي
62
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وهو في قبلته في حال صلاته ، لا الصورة التي اخترعها بنفسه فنحتها بفكره وأداه إليها دليله العقلي ، وبحثه وجداله في اللّه ، قال تعالى : قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ( 95 ) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ( 96 ) [ الصافات : 95 - 96 ] فَلِلَّهِ على الخلق كلهم الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ [ الأنعام : 149 ] ، وهي إيجادهم على طبق ما هم عليه في أعيانهم الثابتة حال عدمهم الأصلي ، فالسعيد سعيد الأزل والشقي شقي الأزل ، فما حكم عليهم إلا بما هم عليه في ثبوتهم الأزلي . فالحاكم في التحقيق حكمه العدل تابع لعين المسألة التي يحكم فيها بما تقتضيه ذاتها ، أي تلك المسألة المحكوم بها كما ورد قاض في الجنة وقاضيان في النار ، فالقاضي الذي في الجنة قاض عرف الحق وحكم به ، فهو تابع للحق بما يقتضيه واللّه يقضي بالحق : وقل رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ [ الأنبياء : 112 ] ، والقاضيان : قاض عرف الحق وحكم بالباطل ولم يحكم بالحق ، وقاض لم يعرف الحق وحكم على جهله ، فهما في النار لعدم متابعتهما لما هو الأمر عليه في نفسه من الحق ، ولا بد أن يكون الحاكم محكوما عليه كما قال . فالمحكوم عليه باطنا من الخلق أو الحق بما هو فيه من الأحوال الثابتة له حاكم في الباطن على الحاكم عليه في الظاهر وملزوم له أن يحكم عليه بذلك ، أي بما هو من أحوال عينه الثابتة عنده فكل حاكم من قديم أو حادث محكوم عليه باطنا بما حكم به ظاهرا من الأعيان وفيه من الأوصاف والأحوال كان الحاكم من كان ربا أو عبدا . واعلم أن الحق تعالى حاكم الأزل عرضت عليه في الأزل ، أعيان الكائنات جميعها التي لا نهاية لها من ذوات وصفات وأحوال مختلفة في الحس والعقل وهي عدم صرف ، وثبتت عند علمه بشهادة شاهدين عنده بذلك هما سمعه القديم وبصره القديم ، فحكم فيها بما وجدها ثابتة عليه في أعيانها العدمية ، وكان المدعى عليها قائم وهو حضرة الصفات والأسماء الإلهية المؤثرة فيها ، دون السمع والبصر فإنهما كاشفان لا مؤثران بما لذلك المدعي عندها من الحق ، وهو عبوديتها لحضرة الصفات والأسماء الإلهية ، فأجابته بالإنكار لأجل ما هي فيه من ظلمة العدم الأصلي ، ظلما منها للحق والظلم ظلمات يوم القيامة ؛ ولهذا كان السمع والبصر من حضرة الصفات والأسماء الإلهية شاهدين عليها بعبوديتها لمن ادعى الرق فيها ، واكتساء الأشياء كلها بالوجود في هذا العالم هو عين أداء الشهادة من هذين الاسمين الثابت بهما رق الأشياء وعبوديتها للحضرة الصفاتية والاسمائية ، وهي البينة التي قال تعالى : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ