الشيخ عبد الغني النابلسي

6

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

هذا مضى : ( والحق ) تعالى ( من حيث ذاته ) العلية ( غني عن العالمين ) كما قال سبحانه : و اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [ آل عمران : 97 ] . وقال تعالى : وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ [ محمد : 38 ] والصفات أيضا والأسماء من حيث هي عين الذات الإلهية غنية عن العالمين أيضا . وقد أشار إليه المصنف قدس سره بقوله : وأن الأسماء الإلهية عين المسمى وليس إلا هو ( و ) صفة ( الربوبية ) من حيث ما هي غير الذات الإلهية ( ما لها هذا الحكم ) ، أي الغني عن العالمين . ( فبقي الأمر ) الإلهي الواحد في نفسه مترددا ( بين ما تطلبه ) صفة ( الربوبية ) من الحيثية المذكورة وهو الظهور بالمربوبين ( وبين ما تستحقه الذات ) العلية ( من الغنى عن العالم ) بفتح اللام ( وليست ) صفة ( الربوبية على الحقيقة والاتصاف ) من الحيثية الأخرى ( إلا عن هذه الذات ) الإلهية الغنية عن العالمين ، فالأمر في نفسه ذات غنية عن العالمين من وجه ، وصفة ربوبيته افتقر إليها جميع العالمين فتعلقت به ، فلا تنفك عنه ولا ينفك عنها وجودا وتقديرا من وجه آخر ( فلما تعارض ) بحسب الظاهر ( الأمر ) المذكور بالطلب للعالمين والاستغناء عن العالمين ( بحكم ) ، أي بسبب ما تقتضيه أحوال ( النسب ) جمع نسبة وهي الإضافة من الطلب والاستغناء المذكورين وغيرهما ( ورد في الخبر ) عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ( ما وصف الحق ) تعالى ( به نفسه ) على لسان نبيه عليه السلام ( من الشفقة ) وهي زيادة الرحمة ( على عباده ) كما ورد في الأسماء الحسنى أن من أسمائه تعالى : الرؤوف من صفاته الرأفة . ( فأوّل ما نفّس ) سبحانه ( عن ) صفة ( الربوبية التي له بنفسه المنسوب إلى ) اسمه ( الرحمن ) الوارد في الحديث إني لأجد نفس الرحمن ( بإيجاده ) سبحانه ( العالم ) ، أي المخلوقات ( الذي ) نعت للعالم ( تطلبه ) صفة ( الربوبية بحقيقتها ) من حيث هي غير الذات الإلهية الغنية عن العالمين تطلبه أيضا ( جميع الأسماء الإلهية ) لتظهر به ( فيثبت من هذا الوجه ) وهو وجه تنفيس الحق تعالى بنفسه المنسوب إليه من حيث اسمه الرحمن فهو التنفيس بالرحمة عن أسمائه وصفاته ( أن رحمته ) سبحانه الواسعة وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فوسعت الحق ) تعالى حيث وسعت أسماءه وصفاته التي هي من وجه عين ذاته كما أنها من وجه آخر غير ذاته ( فهي ) ، أي الرحمة الإلهية حينئذ ( أوسع من القلب ) ، أي قلب العارف باللّه تعالى ( أو مساوية له في السعة ) لإشرافه على ما هي مشرفة عليه من الأسماء وآثارها من حيث قيامه بالشهود الذاتي وكون الحق تعالى سمعه وبصره .