الشيخ عبد الغني النابلسي
48
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
أصلا بل ما اتصف بالوجود منه إلا ما هو ثابت في عدمه الأصلي ولا أخلّ بطريقته التي هو سائر عليها من ثبوته إلى وجوده ومن وجوده إلى ثبوته كما قال تعالى : وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [ الرعد : 8 ] ، وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [ الحجر : 21 ] . * * * فتسمية ذلك نزاعا إنّما هو أمر عرضيّ أظهره الحجاب الّذي على أعين النّاس كما قال اللّه تعالى فيهم : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ( 7 ) [ الروم 6 - 7 ] وهو من المقلوب فإنّه من قولهم قُلُوبُنا غُلْفٌ [ النساء : 155 ] أي في غلاف وهو الكنّ الّذي ستره عن إدراك الأمر على ما هو عليه . فهذا وأمثاله يمنع العارف من التّصرّف في العالم . قال الشّيخ أبو عبد اللّه بن قائد للشّيخ أبي السّعود بن الشّبل : لم لا تتصرّف ؟ فقال أبو السّعود : تركت الحقّ يتصرّف لي كما يشاء : يريد قوله تعالى آمرا : فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [ المزمل : 9 ] فالوكيل هو المتصرّف . ولا سيّما وقد سمع اللّه يقول : وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [ الحديد : 7 ] فعلم أبو السّعود والعارفون أنّ الأمر الّذي بيده ليس له وأنّه مستخلف فيه . ثمّ قال له الحقّ هذا الأمر الّذي استخلفتك فيه وملّكتك إيّاه اجعلني واتّخذني فيه وكيلا ، فامتثل أبو السّعود أمر اللّه فاتّخذه وكيلا . فكيف تبقى لمن يشهد مثل هذا الأمر همّة يتصرّف بها ، والهمّة لا تفعل إلّا بالجمعيّة الّتي لا متّسع لصاحبها إلى غير ما اجتمع عليه ؟ وهذه المعرفة تفرّقه عن هذه الجمعيّة . فيظهر العارف التّامّ المعرفة بغاية العجز والضّعف . فتسميته ذلك الواقع منه نزاعا في أمر الدنيا والدين ، وتسميته ظلما للعارف أو أذية له أو غير ذلك إنما هو عند العارف في بصيرته أمر عرض للغافلين من الغفلة عما يشهده العارف أظهره ، أي أظهر ذلك الأمر الحجاب الذي على أعين الناس وهو شهودهم أنفسهم دون من هم قائمون به كما قال اللّه تعالى فيهم ، أي في حق المحجوبين من الناس وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [ الأعراف : 187 ] ، أي ما الأمر الإلهي على ما هو عليه في نفسه ثم قال تعالى : يَعْلَمُونَ ظاهِراً [ الروم : 7 ] ، أي ما هو الظاهر مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا التي هم مفتونون بها وَهُمْ عَنِ