الشيخ عبد الغني النابلسي

469

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

إذ ، أي لأنه لو عرف ذلك المعترض على غيره ما قال ، أي قول الجنيد رضي اللّه عنه السابق ذكره لون الماء لون إنائه كما قدمنا بيانه قريبا لسلّم لكل ذي اعتقاد في اللّه تعالى ما اعتقده ، لأن الكل مخلوق في النفوس فهو سواه ، والاختلاف في ذلك إنما هو بحسب استعداد كل أحد في قوّة بصيرته ، والحق تعالى المطلق بالإطلاق الحقيقي غيب عن الكل ، مطلقا على حسب ما هو عليه في الأزل وعرف اللّه تعالى ظاهرا متجليا له في كل صورة حسية أو عقلية أو وهمية وفي كل معتقد بصيغة اسم المفعول أي ما يعتقده كل أحد على حسب ما قررنا سابقا . فهو ، أي ذلك المعترض على غيره في الاعتقاد ظان ، أي صاحب ظن في اللّه تعالى كما قال سبحانه : وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [ الأحزاب : 10 ] ، وقال تعالى : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ [ الأنعام : 116 ] و إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [ يونس : 36 ] ، ثم قال تعالى بعد ذلك للنبي صلى اللّه عليه وسلم فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا [ النجم : 29 ] ، أي من حيث الإطلاق الحقيقي ليس ذلك بعالم باللّه تعالى أصلا لعدم عجزه بالذوق والوجدان عن ذلك الغيب المطلق . فلذلك ، أي لأجله قال تعالى كما ورد في الحديث القدسي « أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء » . رواه الطبراني والحاكم عن واثلة بن الأسقع . وفي رواية : « أنا عند ظن عبدي بي فإن ظن خيرا فله وإن ظن شرا فله » . رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة أي لا أظهر له ، أي لذلك العبد إلا في صورة معتقده ، أي ما يعتقده في حق اللّه تعالى فإن شاء أطلق في معتقده من حيث ما يدري ذلك العبد من عدم التخصيص بصورة في نفسه ، وهو الإطلاق المجازي العقلي لا الإطلاق الحقيقي ، الذي هو عليه الحق تعالى في نفسه ، لأن ذلك ليس بإطلاق أحد وإن شاء قيد في معتقده صورة خاصة ولكنه لا يبقي ما عداها لئلا يفتري على غيره فيفتري الغير عليه ظاهرا أو باطنا أو بلسان الحال فإله المعتقدات ، أي الذي في الاعتقادات المختلفة على حسب استعداد كل استعداد منها تأخذه الحدود ، أي المقادير والصور والهيئات بحسب العقول المختلفة وهو الإله الذي ورد في الحديث القدسي أنه وسعه قلب عبده المؤمن في قول النبي صلى اللّه عليه وسلم عن اللّه تعالى : « وما وسعني سماواتي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن » « 1 » . والعبد المؤمن هو كل من في السماوات والأرض .

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .