الشيخ عبد الغني النابلسي
450
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
كما أنّ مزاج الجعل يتضرّر برائحة الورد وهي الرّوائح الطّيبة . فليس ريح الورد عند الجعل بريح طيبة . ومن كان على مثل هذا المزاج معنى وصورة أضرّ بالحقّ إذا سمعه وسرّ بالباطل : وهو قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ ؛ ووصفهم بالخسران فقال : أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [ العنكبوت : 52 ] الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [ الأنعام : 12 ] فإنّه من لم يدرك الطّيّب من الخبيث فلا إدراك له . فما حبّب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلّا الطّيّب من كلّ شيء وما ثمّة إلّا هو . وهل يتصوّر أن يكون في العالم مزاج لا يجد إلّا الطيّب من كلّ شيء ولا يعرف الخبيث أم لا ؟ قلنا هذا لا يكون : فإنّا ما وجدناه في الأصل الّذي ظهر العالم منه وهو الحقّ ، فوجدناه يكره ويحبّ ؛ وليس الخبيث إلّا ما يكره ولا الطّيب إلّا ما يحبّ . كما أن مزاج الجعل بضم الجيم وفتح العين المهملة دابة مولدة من الزبل والنجاسة يتضرر برائحة الورد ، فإذا وضع في الورد يكاد يموت من ريح ذلك وهي ، أي رائحة الورد من الروائح الطيبة دون الخبيثة فليس ريح الورد عند الجعل بريح طيبة لعدم ملاءمتها لمزاجه . ومن كان من الناس على مثل هذا المزاج ، أي مزاج الجعل معنى من حيث تولده في المخالفات وإنشاؤه في قبائح الأحوال حتى انطبع على المآثم والفواحش والضلال والغي وصورة من حيث إنه صار يتضرر بضد ذلك الذي انتشى عليه وانطبع فيه أضرّ به ، أي بخلقته الحق من الأقوال والأعمال والأحوال إذا سمعه من أحد وسر ، أي دخل عليه السرور بالباطل من ذلك وهو ، أي ما ذكر معنى قوله تعالى والذين آمنوا ، أي صدقوا وأذعنوا واعترفوا بالباطل من الأديان والآلهة وكفروا باللّه تعالى الحق وما فعلوا ذلك مع وجود عقولهم إلا للمناسبة التي عليها فيما انطبعوا فيه من الغي والضلال وظنوه رشدا وهداية بل قطعوا بأنه كذلك . ووصفهم اللّه تعالى بالخسران فيما فعلوا فقال تعالى أُولئِكَ ، أي الذين فعلوا ما ذكر هم الخاسرون الذين خسروا أنفسهم حيث لم يقدروا من ضعف بصائرهم وأبصارهم بما هم فيه من الضلال أن يفرقوا بين الحق والباطل ، فكأنهم لا نفوس لهم لعدم إمكانهم الانتفاع بها في الفرق المذكور فقد خسروها فإنه ، أي الشأن من لم يدرك بنفسه الطيب من الخبيث فلا إدراك له أصلا فما حبب إلى