الشيخ عبد الغني النابلسي
448
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
قال الشاعر : إن القبور تنكح الأيامى * النسوة الأرامل اليتامى أي تجمعهن ، وتضمهن ، وتسترهن بالتحامها عليهن ، حيث ذكر تعالى الطيب في بيان براءة عائشة أم المؤمنين زوجة النبي صلى اللّه عليه وسلم مما رماها به المنافقون مما هي مطهرة منه رضي اللّه عنها فقال تعالى : الْخَبِيثاتُ من النساء لِلْخَبِيثِينَ من الرجال أي كائن ذلك في تقدير اللّه تعالى وخلقه على طبق تقديره سبحانه ولا بد من المناسبة في ذلك لأنها العدل الإلهي والوزن المستقيم كما قال تعالى : وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ [ الحجر : 19 ] فالمناسبة كائنة من النساء للرجال وبالعكس أيضا كما قال وَالْخَبِيثُونَ من الرجال لِلْخَبِيثاتِ من النساء وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ كذلك أُولئِكَ ، أي الطيبات من النساء والطيبون من الرجال مُبَرَّؤُنَ بتغليب الرجال لشرفهم مِمَّا يَقُولُونَ [ النور : 26 ] ، أي المنافقون . فجعل اللّه تعالى روائحهم ، أي الطيبات والطيبين المبرئين طيبة ، أي زكية حسنة لا خبث فيها ولا قبح لأن القول نفس المتكلم بفتح الفاء ، أي الهواء الخارج من فمه وهو ، أي النفس عين الرائحة فيخرج ، أي النفس من التنفس به بالطيب من القول وبالخبيث منه على حسب ما يظهر ، أي ذلك القول متصفا به في صورة النطق فمن حيث هو ، أي ذلك النطق إلهي كما قال تعالى الذي أنطق كل شيء بالأصالة ، أي من دون شائبة دعوى نفسانية إذ الأصل نسبة الأمور إلى خالقها كله ، أي القول طيب لأنه صادر عن الحق تعالى فهو ، أي القول طيب فقط ولا خبيث منه أصلا ومن حيث ما يحمد من ذلك النطق باعتبار معناه وما يذم منه بذلك الاعتبار فهو ، أي القول قسمان طيب لطيب معناه وخبيث لخبث معناه . * * * فقال في خبث الثّوم هي شجرة أكره ريحها ولم يقل أكرهها . فالعين لا تكره ، وإنّما يكره ما يظهر منها . والكراهة لذلك إمّا عرفا أو بعدم ملاءمة طبع أو غرض أو شرع ، أو شرع ، أو نقص عن كمال مطلوب وما ثمّ غير ما ذكرناه . ولمّا انقسم الأمر إلى خبيث وطيّب كما قرّرناه ، حبّب إليه الطّيّب دون الخبيث ووصف الملائكة بأنّها تتأذّى بالرّوائح الخبيثة لما في هذه النّشأة العنصريّة من التّعفين فإنّه مخلوق من صلصال من حمأ مسنون أي متغيّر الرّيح ، فتكرهه الملائكة بالذّات .