الشيخ عبد الغني النابلسي

446

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

قال تعالى : وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً بين ما مُلْتَحَداً إن ورسالاته أقريب ولا ضرّا أشرك فَسَيَعْلَمُونَ الآية ، فسماه عبدا للاسم الذاتي الجامع لم يرفع رأسه صلى اللّه عليه وسلم قط ، أي لم يلتفت ولم يرغب إلى شائبة من السيادة فعبوديته للّه تعالى محضة بل لم يزل عليه السلام ساجدا بين يدي اللّه تعالى كما قال تعالى : وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ( 219 ) [ الشعراء : 219 ] واقفا في خدمة مولاه كما قام من الليل حتى تورمت قدماه فأنزل اللّه تعالى عليه : طه ( 1 ) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ( 2 ) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى ( 3 ) [ طه : 1 - 3 ] ، أي إلا أن تذكر بالقرآن تذكرة لكل من يخشى اللّه تعالى من الناس من كونه صلى اللّه عليه وسلم منفعلا أي مخلوقا عن قدرة اللّه تعالى حتى كوّن بالتشديد أي خلق اللّه تعالى عنه صلى اللّه عليه وسلم ما كوّن ، أي خلق من نسائه عليه السلام كما أشار إليه صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « استوصوا بالنساء خيرا ، فإن المرأة خلقت من ضلع ، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه ، فإن ذهبت تقيمه كسرته ، وإن تركته لم يزل أعوج ، فاستوصوا بالنساء خيرا » « 1 » ، رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة . فأعطاه اللّه تعالى لنبينا عليه السلام رتبة الفاعلية في عالم الأنفاس ، وهو الخلق الجديد المتكرر مع اللمحات من غير التباس ، كما أعطى تعالى ذلك لمن هو دونه عليه السلام آصف بن برخيا وزير سليمان عليه السلام ، فقال : أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [ النمل : 40 ] وأتى به كما قال بأمر اللّه تعالى الذي هو كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ القمر : 50 ] بأنه كان من أولي الأمر التي هي ، أي الأنفاس الأعراف جمع عرف بالفتح وهو الرائحة الطيبة الفائحة من حضرة الحق تعالى . فحبب إليه صلى اللّه عليه وسلم الطيب ، لأنه يذكر ذلك في الجملة ، ويشبهه عنده على قرب منه وعدم غفلة عنه فلذلك جعله ، أي الطيب في الذكر بعد النساء . * * * فراعى الدّرجات الّتي للحقّ في قوله : رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ [ غافر : 15 ] لاستوائه عليه باسمه الرّحمن . فلا يبقى فيمن حوى عليه العرش من لا تصيبه الرّحمة الإلهيّة : وهو قوله تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ الأعراف : 156 ] ، والعرش وسع كلّ شيء .

--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب الوصية بالنساء ، حديث رقم ( 1468 ) [ 2 / 1091 ] والبخاري في صحيحه ، باب خلق آدم . . ، حديث رقم ( 3153 ) [ 3 / 1212 ] .