الشيخ عبد الغني النابلسي

428

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

وفي رواية : إنكم تروا ربكم عز وجل حتى تموتوا . أخرجه الطبراني عن أبي أمامة فلا بد من الشوق الشديد أيضا من العبد المؤمن لمن هذه ، أي صفته الشوق الجديد صفته لعبده المؤمن . * * * فشوق الحقّ لهؤلاء المقرّبين مع كونه يراهم فيحبّ أن يروه ويأبى المقام ذلك . فأشبه قوله : حَتَّى نَعْلَمَ [ محمد : 31 ] مع كونه عالما فهو سبحانه وتعالى يشتاق لهذه الصّفة الخاصّة الّتي لا وجود لها إلّا عند الموت . فيبلّ بها شوقهم إليه كما قال تعالى في حديث التّردّد وهو من هذا الباب : « ما تردّدت في شيء أنا فاعله كتردّدي في قبض عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بدّ له من لقائي » فبشّره بلقائه . وما قال له ولا بدّ له من الموت لئلا يغمّه بذكر الموت . فشوق الحق تعالى أي محبته العظيمة لهؤلاء المقربين إلى جنابه الشريف مع كونه تعالى يراهم كما يرى غيرهم ، من كل شيء واللّه بكل شيء بصير فيحب سبحانه أن يروه هم أيضا كما يراهم هو ويأبى ، أي يمتنع المقام في الحياة الدنيا على مقتضى التقدير الإلهي الأزلي ذلك ، أي أن يروه فإنهم لا يرونه إلا بعد موتهم اضطرارا واختيارا كما ذكر فأشبه ، أي هذا الشوق منه تعالى لمن يراهم قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [ محمد : 31 ] مع كونه تعالى عالما بذلك . فهو سبحانه وتعالى يشتاق إليهم لهذه الصفة له تعالى الخاصة التي هي محبته سبحانه أن يروه لا وجود لها ، أي لهذه الصفة إلا عند الموت ، أي موتهم الاضطراري أو الاختياري فيبلّ ، أي يبرد من البلل وهو الرطوبة بها ، أي بالصفة المذكورة شوقهم ، أي العباد إليه تعالى كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم في حديث التردد وهو من هذا الباب ، أي باب شوقه تعالى إلى عباده المؤمنين « ما ترددت ، أي فعلت فعل المتردد من التأني في الأمر وعدم الإقدام عليه من كمال اللطف والعناية في شيء من الأشياء أنا فاعله ، أي فاعل ذلك الشيء مثل ترددي ، أي لطفي وعنايتي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت بنفسه البشرية لأنه يوحشها ويبطل ما هي مستأنسة به من أحوال الدنيا ، ويقطع عليها شهواتها وإن قلبه يحن إلى الموت ، لأنه تحفته كما ورد في الحديث وأكره من كمال اللطف والمحبة