الشيخ عبد الغني النابلسي

426

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

14 ] فلا تعرف ربك المتجلي عليك بنفسك ، فإنك إذا لم تعرف آثار التجلي لا تعرف المتجلي بالطريق الأولى . والثاني ، أي ثبوت المعرفة باللّه تعالى أن تعرفها ، أي نفسك بوجه من وجوهها في كل حال تكون فيه ولا تغفل عنها وتضبط الطور التي هي فيه قبل أن تنتقل إلى غيره وهكذا بالذوق والوجدان فتعرف بسبب ذلك ربك من وجه تجليه عليك في حال بعد حال وشأن بعد شأن ، كما قال تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] وقال : وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [ يونس : 61 ] . فكان محمد صلى اللّه عليه وسلم أوضح دليل على ربه تعالى لجمعيته الكلية للأفراد الثلاثة الأصلية جمعية كشف وشهود في جميع ذوات الوجود ، وإن كان كل شيء أيضا جامعا لكل شيء باعتبار وجود الأصول الثلاثة فيه كما ذكرناه ، ولكن لا يلزم منه تحققه بذلك في نفسه وخروجه عن توهمه وحسه . قال تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( 4 ) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ( 5 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 6 ) [ التين : 4 - 6 ] ودخل في الإنسان المؤمن والكافر والمطيع والعاصي ؛ ولهذا صح الاستثناء بعده ، فليس في كل من خلق في أحسن تقويم يكشف له أنه مخلوق في أحسن تقويم بل يعرف ما معنى أحسن تقويم ؛ ولهذا قال تعالى باعتبار أهل الخصوص : وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [ الإسراء : 105 ] وهو اللّه تعالى الذي قال سبحانه : مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 ) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ( 22 ) [ البروج : 20 - 22 ] ، وهي الأمثال التي قال تعالى : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ( 43 ) فإن كل جزء من أجزاء العالم المحسوس والمعقول والموهوم دليل واضح عند أهله على ثبوت أصله الذي هو ربه تعالى والجامع لجميع الأجزاء عن حس ووجدان وشهود وعيان دليل لا أوضح منه على ثبوت الأصل لتضمنه كل الأدلة فافهم يا أيها السالك معنى الحقيقة المحمدية السارية في كل شيء عند من تحقق بها بمعونة القدير المالك . * * * وإنّما حبّب إليه النّساء فحنّ إليهنّ لأنّه من باب حنين الكلّ إلى جزئه ، فأبان بذلك عن الأمر في نفسه من جانب الحقّ في قوله في هذه النّشأة الإنسانيّة العنصريّة وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ] . ثمّ وصف نفسه بشدّة الشّوق إلى لقائه فقال للمشتاقين : « يا داود إنّي أشدّ