الشيخ عبد الغني النابلسي
40
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
فإن قيل : يجوز أن لا يكون مسبوقا بكون آخر أصلا كما في آن الحدوث فلا يكون متحركا كما لا يكون ساكنا . قلنا : هذا المنع لا يضر لما فيه من تسليم المدعي على أن الكلام في الأجسام التي تعددت فيها الأكوان وتجددت عليها الأعصار والأزمان . هذا كلام محقق الأشاعرة سعد الدين التفتازاني رحمه اللّه تعالى في شرح عقائد النسفي ، وأنت تعرف من غير شبهة عندك أن هذا الكلام يقتضي أن الجواهر والأجسام أيضا متجددة متبدلة في كل آن عندهم أيضا ، لأن قوله إنه مسبوق بكون آخر في ذلك التحيز أو في تحيز آخر . وقوله في تعريف الحركة إنها كونان ، والسكون كونان ، والكون هو الوجود الفرد في الزمن الفرد عندهم ، وكذلك قوله في الأجسام الموجودة إنها تعددت فيها الأكوان ، أي كان لها وجودات متعددة ، فهذا يقتضي أن الكل أعراض وليس هذا غير معنى التبدل والتجدد في جملة العالم كله ومع ذلك فإنهم لا يقولون بذلك إلا في الأعراض فقط دون الجواهر والأجسام ، وما هذا إلا تناقض منهم أيضا . وهؤلاء ، أي الأشاعرة أيضا وإن كانوا من أهل السنة والجماعة لخدمتهم الكتاب والسنة وانتصارهم لما كان عليه الصحابة والتابعون من حيث ظاهر الحال في مقابلة الرد على فرق الاعتزال واحتفالهم بالسمعيات هم من حيث التحقيق والمعرفة الكشفية إذ ليس لهم فيها نصيب ، لأن معرفتهم عقلية من أهل النظر الفكري لا الكشف الذوقي فِي لَبْسٍ ، أي التباس أيضا مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ كما سبق بيانه . * * * وأمّا أهل الكشف فإنّهم يرون أنّ اللّه تعالى يتجلّى في كلّ نفس ولا يتكرّر التّجلّي . ويرون أيضا شهودا أنّ كلّ تجلّ يعطي خلقا جديدا ويذهب بخلق ، فذهابه هو الفناء عند التّجلّي والبقاء لما يعطيه التّجلّي الآخر فافهم . وأما أهل الكشف من طائفة العارفين المحققين فإنهم يرون ، أي يعتقدون ويشهدون من غير شبهة عندهم أن اللّه تعالى يتجلى ، أي ينكشف في كل نفس بفتح الفاء ما يظهره من صور العالم المحسوس والمعقول ولا يتكرر التجلي أصلا مرتين بل كل نفس من الأنفاس له تجل جديد يخصه ويرون أيضا شهودا وعيانا أن كل تجل من تجلياته تعالى في كل نفس من الأنفاس يعطي خلقا جديدا ويذهب ذلك التجلي أيضا بخلق أوّل كان قبله على معنى أنه يقتضي الدلالة على انقضاء