الشيخ عبد الغني النابلسي

394

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

وقد علم فرعون أنّه لا يجيبه إلّا بذلك - فقال لأصحابه إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [ الشعراء : 27 ] أي مستور عنه علم ما سألته عنه ، إذ لا يتصوّر أن يعلم أصلا . فالسّؤال صحيح ؛ فإنّ السّؤال عن الماهيّة سؤال عن حقيقة المطلوب ، ولا بد أن يكون على حقيقة في نفسه . وأمّا الّذين جعلوا الحدود مركّبة من جنس وفصل ، فذلك في كلّ ما يقع فيه الاشتراك ، ومن لا جنس له لا يلزم أن لا يكون على حقيقة في نفسه لا تكون لغيره . فالسّؤال صحيح على مذهب أهل الحقّ والعلم الصّحيح والعقل السّليم ، والجواب عنه لا يكون إلّا بما أجاب به موسى عليه السّلام . وقد علم فرعون أنه ، أي موسى عليه السلام لا يجيبه ، أي فرعون إلا بذلك ، أي بذكر الأوصاف كما قال تعالى : قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 ) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ( 24 ) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ ( 25 ) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ( 26 ) [ الشعراء : 23 - 26 ] فقال ، أي فرعون لأصحابه الحاضرين عنده إِنَّ رَسُولَكُمُ على طريق الاستهزاء به والتهكم عليه ، وإلا فلا يريد أن يصدقه أنه رسولهم ، لأنه مكذب له الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ أي مستور عنه ، أي عن عقله علم ما سألته عنه من الماهية الإلهية إذ لا يتصوّر أن يعلم بالبناء للمفعول ، أي علم ما سأله أصلا فالسؤال عن ذلك صحيح لا شبهة فيه فإن السؤال عن الماهية ، أي ماهية الإله سؤال عن حقيقة الأمر المطلوب ولا بد أن يكون ذلك المطلوب على حقيقة ، أي ماهية متحققة في نفسه وأما الذين جعلوا الحدود ، أي التعاريف الذاتية مركبة من جنس عام وفصل خاص كالحيوان الناطق مثلا في تعريف الإنسان فذلك ، أي التركيب في الحد في كل ما يقع فيه الاشتراك بين الأنواع الداخلة تحت جنس واحد ومن لا جنس له إذ لا قدر مشترك بينه وبين غيره أصلا وهو اللّه تعالى لا يلزم منه أن لا يكون على حقيقة في نفسه حيث لم تكن حقيقة مشاركة لغيرها في قدر عام هو الجنس بحيث ينفرد بتلك الحقيقة حتى لا تكون لغيره بل من لا جنس له وهو اللّه تعالى له حقيقة في نفسه انفرد بها فلا تكون لغيره أصلا فالسؤال عن ماهية اللّه تعالى وحقيقته صحيح على مذهب أهل الحق وأهل العلم الصحيح وأهل العقل السليم والجواب عنه ، أي عن ذلك السؤال لا يكون إلا بما أجاب به