الشيخ عبد الغني النابلسي
389
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
يكون منه ليوفّي الأدب حقّه مع الرّسول . فقال له : إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي [ الكهف : 76 ] فنهاه عن صحبته . فلما وقعت منه الثّالثة قال : هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [ الكهف : 78 ] . ولم يقل له موسى لا تفعل ولا طلب صحبته لعلمه بقدر الرّتبة الّتي هو فيها الّتي أنطقته بالنّهي عن أن يصحبه . وأما حكمة فراقه ، أي الخضر لموسى عليه السلام فلأن الرسول يقول اللّه تعالى وفيه وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] ، أي كونوا له في الأمر والنهي فوقف اللّه العلماء باللّه تعالى كالخضر ونحوه الذين يعرفون قدر الرسالة من اللّه تعالى إلى الخلق وقدر الرسول المبعوث بالهدى والنور عند هذا القول الإلهي في حق الرسول وقد علم الخضر عليه السلام أن موسى عليه السلام رسول اللّه إلى فرعون وبني إسرائيل فأخذ يرقب ، أي يضبط ويحفظ ما يكون منه ، أي من موسى عليه السلام ليوفي ، أي يتم الأدب حقه مع الرسول الذي أمر الحق تعالى بإطاعته . فقال ، أي موسى عليه السلام له ، أي للخضر عليه السلام إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها ، أي بعد هذه المرة فَلا تُصاحِبْنِي [ الكهف : 76 ] قد بلغت من لدني عذرا فنهاه ، أي موسى نهى الخضر عليه السلام عن صحبته فلما وقعت منه المرة الثالثة وهي قوله في إقامة الجدار لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال ، أي الخضر عليه السلام : هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [ الكهف : 78 ] ، ولم يقل له أي للخضر موسى عليه السلام لا تفعل ، أي لا تفارقني ولا طلب صحبته لعلمه ، أي موسى عليه السلام بقدر الرتبة النبوية الرسالية التي هو ، أي موسى عليه السلام فيها وهي ما اختصه اللّه تعالى به من علوم الشريعة الظاهرة الإلهية التي أنطقته بالنهي عن أن يصحبه بعد ذلك لظهور الفرق بينه وبينه ، فإن علوم الخضر عليه السلام باطنية حقيقية ، وعلوم موسى عليه السلام ظاهرية شرعية ، والإشارة بمجمع البحرين الذي كان اجتماعهما فيه يقتضي أنه اجتمع بحر العلوم الظاهرية وبحر العلوم الباطنية وهما : موسى والخضر عليهما السلام ، ثم افترقا بسبب إقامة الجدار بينهما ولا هذا علم ما عند هذا ولا هذا علم ما عند هذا . قال تعالى : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ( 19 ) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ( 20 ) [ الرحمن : 19 - 20 ] . * * *