الشيخ عبد الغني النابلسي
359
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
ينظر بنور اللّه وينطق بتوفيق اللّه » « 1 » . وهو ، أي جعل ذلك النور الهدى ، أي الإرشاد إلى الحق في كل أمر كمن ، أي كالذي مثله ، أي مثاله يعني حاله يشبه حال من هو في الظلمات الحسية كالإنسان في بيت لا منفذ له تحت الأرض بالليل ، فهي ثلاث ظلمات لو انفردت واحدة منها لكانت ظلمة مستقلة وهي ، أي تلك الظلمات الضلال في الاعتقاد والقول والعمل لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [ الأنعام : 122 ] أي من الظلمات يعني لا يهتدي أبدا لاستحكام الضلال منه حيث كان في اعتقاده فصار على لسانه ثم ظهر في علمه فإن الأمر الإلهي في نفسه لا غاية له من حيث هو أمر اللّه تعالى والغاية للحق القائم به ، فإذا التبس الأمر على أحد فكان ضلالا ، فلم يزل صاحب ذلك الضلال يتقلب في أنواع من ذلك الضلال إلى الأبد إذ لا نهاية لما دخل فيه يوقف عندها ، أي عند تلك الغاية . وفي الهدى كذلك إذا انكشف له أمر اللّه تعالى لا نهاية لهدايته أيضا . * * * فالهدى هو أن يهتدي الإنسان إلى الحيرة ، فيعلم أنّ الأمر حيرة . والحيرة قلق وحركة ، والحركة حياة ، فلا سكون ، فلا موت ؛ ووجود ، فلا عدم . وكذلك في الماء الّذي به حياة الأرض ، وحركتها ، قوله تعالى : اهْتَزَّتْ وحملها ، قوله : وَرَبَتْ [ الحج : 5 ] وولادتها قوله : وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ الحج : 5 ] . أي أنّها ما ولدت إلّا من يشبهها أي طبيعيّا مثلها . فكانت الزّوجيّة الّتي هي الشّفعيّة لها بما تولّد منها وظهر عنها . فالهدى المذكور هو أن يهتدي الإنسان ، أي يصل إلى الحيرة في الحق تعالى ، هل هو الظاهر أو هو الباطن فلا يذهب إلى واحدة منهما وينكر الآخر لورودهما معا في قوله تعالى : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ [ الحديد : 3 ] والعقل ينفي اجتماع الضدين والإيمان يقتضي ذلك حيث ثبت بقول الصادق ، فيتجاذب العقل والإيمان طرفي القضية ، فتقع الحيرة في قلب الإنسان بالتنزيه العقلي والتشبيه الإيماني فيعلم ، أي الإنسان أن الأمر الإلهي كله حيرة في اللّه تعالى
--> ( 1 ) رواه الطبراني في التفسير [ 14 / 47 ] والديلمي في الفردوس ، عن ثوبان ، حديث رقم ( 257 ) [ 1 / 83 ] ورواه غيرهما .