الشيخ عبد الغني النابلسي

348

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

ذلك المقتول هو ، أي موسى عليه السلام فكل ما كان مهيئا بطريق الإمكان لذلك المقتول من الأبناء مما كان استعداد روحه ، أي روح ذلك المقتول له من أنواع الكمال التي لو عاش في الدنيا ذلك المقتول لنافسها ووصل إليها بقوّة روحانيته وقبلتها حقيقته من الجناب المقدس . كان ذلك في موسى عليه السلام وهذا الأمر المذكور اختصاص إلهي بموسى عليه السلام لم يكن لأحد من الأنبياء عليهم السلام قبله ، أي موسى عليه السلام ، ولعل هذه هي الحكمة في كثرة الأنبياء في بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام ، وكانوا يحكمون بالتوراة فكأنما موسى عليه السلام لما كان مجموع حياة كل من قتل تفرق ذلك المجموع بموت موسى عليه السلام فكانت كل حياة في نبي من الأنبياء الذين جاؤوا بعد موسى عليه السلام ممدة من تلك الحياة المجموعة ، فقد روي أن اللّه تعالى بعث بعد موسى عليه السلام إلى عصر عيسى عليه السلام أربعة آلاف نبي ، وقيل : سبعين ألف نبي وكلهم كانوا على دين موسى عليه السلام حتى روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : كل الأنبياء عليهم السلام من بني إسرائيل إلا عشرة : نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومحمد صلى اللّه عليه وسلم « 1 » ولا يذهب عليك أن هذا هو التناسخ الباطل ، فإنه مجرد إمداد من حضرة الروح الكل بدلا عن إمداد تلك الأرواح التي انقصرت عن التصرف في أجسامها لعروض الفساد في الأجسام ، وليس هذا انتقال الأرواح كما يزعم أهل التناسخ ؛ ولهذا كانت العبارة هنا بلفظ الحياة والإمداد . فإنّ حكم جمع حكمة موسى عليه السلام أو ما أودع اللّه تعالى في أحواله ووقائعه من الأسرار كثيرة لا تحصى وأنا إن شاء اللّه تعالى أسرد ، أي أذكر منها ، أي من تلك الحكم في هذا الباب ، أي النوع من أنواع العلم الإلهي على قدر ما يقع به الأمر الإلهي ، أي الإلهام الرباني في خاطري من غير فكر أصلا ، لأن الفكر ظلمة النفس فلا يمكن أن يكتسب بها أحد نور العلم الرباني فكان هذا ، أي ما ذكر من حكمة قتل الأبناء من أجل موسى عليه السلام أوّل ما شوفهت ، أي خوطبت من حضرة الإلهية به في قلبي من هذا الباب ، أي النوع من أنواع العلم الإلهي . * * *

--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ، تفسير سورة مريم ، حديث رقم ( 3415 ) ورواه ابن الطبراني في الكبير ، عن ابن عباس ، حديث رقم ( 1723 ) [ 11 / 276 ] .