الشيخ عبد الغني النابلسي
345
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
كل شيء والصور العدمية علامة على الحضرة البصرية المخصوصة للطفه تعالى وكل ما سواه بالنسبة إليه سبحانه كثيف جدا وسريانه بصفة القيومية في أعيان الأشياء من غير حلول لعدم تصوره في حقه تعالى ، فإن الموجود لا يحل في المعدوم وإن ظهر به وتقيد بقيوده عنده في نفس الأمر فلا تدركه تعالى الأبصار لأجل ذلك كما أنها ، أي الأبصار لا تدرك أرواحها ، أي أرواح الأبصار ، المدبرة أشباحها ، أي أجسامها الإنسانية وصورها الظاهرة فالأرواح المدبرة للأجسام ألطف من الأبصار فلا تقدر الأبصار أن تدركها لأنها ألطف منها ، والكثيف لا يدركه اللطيف واللطيف يدرك الكثيف . فهو ، أي اللّه تعالى اللطيف ، أي الموصوف بكمال اللطف فكيف تدركه الأبصار الخبير ، أي الموصوف بكمال الخبرة ، فكيف لا يدرك الأبصار والخبرة ذوق ، أي علم كشف ومعاينة وإحساس ، لأنه العلم المستفاد من الاختبار والامتحان كما مر والذوق تجل ، أي ظهور وانكشاف والتجلي من اللّه تعالى إنما يكون في الصور فيتجلى بها فيعرف من يعرف ويجهل من يجهل وينكر من ينكر والأمر في نفسه لا يتغير فلا بد منها ، أي من الصور ولا بد منه ، أي التجلي فيها فلا بد أن يعبده تعالى من رآه في الصور من مقام الإحسان الذي هو أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك بهواه ، أي بميل نفسه إلى عين ما رأى إن فهمت يا أيها السالك سر المعرفة الإلهية الذوقية فإن فيها يطيب الهوى وبعدمها عند ظهور المعرفة الخيالية الوهمية في القاصرين يخبث الهوى ، ومن هنا قيل للجنيد رضي اللّه عنه : متى يصير داء النفس دواها فقال : إذا تركت هواها صادر داؤها دواها . وعلى اللّه تعالى فضلا منه ورحمة كما قال سبحانه : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [ الأنعام : 54 ] ، أي ألزم نفسه لكم بها قصد ، أي إرادة المريد بصدق وعزم للسلوك في السبيل ، أي طريق اللّه تعالى المستقيم وهو صراط الذين أنعم اللّه عليهم . وفيه إشارة إلى أنه لا وصول إلى اللّه تعالى أصلا في الدنيا والآخرة ، وإنما هناك سلوك فقط في صراط اللّه المستقيم ، فمن دخل الطريق وسلك فيه فهو الواصل والخروج عنه انقطاع . * * *