الشيخ عبد الغني النابلسي
342
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
الشهود شيء غيره معه ، تعالى أصلا ولا يمكن ذلك أبدا ، وهم في قلوبهم شهود الأغيار ، فكيف تنكشف لهم وجوه الأسرار وتشرق الأنوار . لعلمهم ، أي الكافرين بأن تلك الصور التي عبدوها حجارة لا تضر ولا تنفع والضار النافع هو اللّه تعالى وحده ، ولكنهم اعتقدوا أن لها عند اللّه تعالى مزيد شرف ورفعة قدر ، فعبدوها وتركوا عبادة اللّه تعالى لتقربهم إليه سبحانه لظنهم بأنها مشاركة له تعالى في صفة الألوهية ، فإنها كانت صور رجال عابدين اللّه تعالى في الملل السابقة ، وربما خرقت لهم العادة في حياتهم أو بعد مماتهم بأمور كان أولئك العابدون لهم يعرفونها ، فظنوا أنهم شاركوا بذلك التأثير اللّه تعالى في الألوهية ، فكانوا آلهة مع اللّه تعالى ، فصوروهم بعد موتهم وعبدوهم وغابوا عن شهود اللّه تعالى فيهم عنهم ، وكون صدور ذلك التأثير بعينه عن اللّه تعالى لطمس بصائرهم بظلمة الكفر وزيغهم عن الصراط المستقيم . قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ [ المائدة : 67 ] . ولذلك ، أي لعلمهم بأن معبودهم حجارة قامت الحجة القاطعة عليهم بكفرهم وزيغهم عن الحق المبين بقوله تعالى الذي أمر به نبيه المرسل إليهم أن يقول لهم حيث قال تعالى : قُلْ سَمُّوهُمْ ، أي سموا ما عبدتم من دون اللّه تعالى ولو سموهم فما يسمونهم ، أي يذكرون الأسماء لهم إلا بما يعلمون أن تلك الأسماء لهم حقيقة لغوية عندهم كحجر وخشب وكوكب وأمثالها كإنسان وحيوان وملك فيظهر عند ذلك كفرهم بإقرارهم لو عقلوا أنهم عبدوا ما لا ينفع ولا يضر أصلا . ولهذا لما قال لهم إبراهيم عليه السلام فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ( 63 ) فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ( 64 ) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ [ الأنبياء : 63 - 65 ] ، أي رجعوا إلى قولهم الأوّل ، وتخيل لهم رؤية تأثيرهم من دون اللّه تعالى ، فقالوا له : لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ [ الأنبياء : 65 ] ، أي إنك تعلم أنهم لا ينطقون ، ونحن نعبدهم كذلك لظهور تأثير الألوهية منهم ، فعدل عليه السلام إلى الاحتجاج برد ما تخيلوه فيهم من النفع والضر ، قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ ( 66 ) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ الأنبياء : 66 - 67 ] ، أي حيث وجدتم ذلك النفع والضر صادرا لكم من الأصنام دون اللّه تعالى أَ فَلا تَعْقِلُونَ إن ذلك صادر من اللّه تعالى لا من الأصنام ، فظهر الحق على لسان إبراهيم عليه السلام ، فلم يمكنهم رده إلا بالفعل فعند ذلك قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ [ الأنبياء : 68 ] إلى آخره . * * *