الشيخ عبد الغني النابلسي

325

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

( 24 - فص حكمة إمامية في كلمة هارونية ) إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً [ البقرة : 124 ] أي خليفة عليهم . هذا فص الحكمة الهارونية ، ذكره بعد حكمة لقمان عليه السلام لاشتمال حكمة هارون عليه السلام على بيان ظهور العين الواحدة في صور كثيرة ، فناسب ما ذكر من ذلك في حكمة لقمان عليه السلام على طريق زيادة البيان والإيضاح لذلك . فص حكمة إمامية ، أي منسوبة إلى الإمام وهو المقتدى به ولو في نوع من الكمال في كلمة هارونية إنما اختصت حكمة هارون عليه السلام بكونها إمامية ، لأنه عليه السلام كان خليفة عن أخيه موسى عليه السلام في قومه لما ذهب إلى ميقات ربه لقوله سبحانه : وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [ الأعراف : 142 ] ، والخليفة إمام يقتدى به . * * * اعلم أنّ وجود هارون عليه السّلام كان من حضرة الرّحموت بقوله تعالى : وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا يعني لموسى : أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا [ مريم : 53 ] . فكانت نبوّته من حضرة الرّحموت . فإنّه أكبر من موسى سنّا ، وكان موسى أكبر منه نبوّة . ولمّا كانت نبوّة هارون من حضرة الرّحمة ، لذلك قال لأخيه موسى - عليهما السلام - : يَا بْنَ أُمَّ ، فناداه بأمّه لا بأبيه إذ كانت الرّحمة للأمّ دون الأب أوفر في الحكم . ولولا تلك الرّحمة ما صبرت على مباشرة التّربية . ثمّ قال : لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي [ طه : 94 ] ، فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ [ الأعراف : 150 ] فهذا كلّه نفس من أنفاس الرّحمة . وسبب ذلك عدم التّثبّت في النّظر فيما كان في يديه من الألواح الّتي ألقاها من يديه . اعلم يا أيها السالك أن وجود هارون عليه السلام في الدنيا كان من حضرة الرحموت ، أي الرحمة العظيمة الإلهية بقوله تعالى : وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا