الشيخ عبد الغني النابلسي
314
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
يَأْتِ بِهَا ، أي بتلك الحبة اللَّهُ [ لقمان : 16 ] فهذه حكمة منطوق بها حيث تكلم بها لقمان عليه السلام وهي ، أي تلك الحكمة أن جعل اللّه تعالى هو الآتي بها ، أي بتلك الحبة المذكورة وقرر ، أي أثبت وحقق اللّه تعالى ذلك ، أي قول لقمان عليه السلام هذه الحكمة في كتابه تعالى وهو القرآن العظيم ولم يرد تعالى هذا القول المذكور على قائله لقمان عليه السلام . * * * وأمّا الحكمة المسكوت عنها وقد علمت بقرينة الحال ، فكونه سكت عن المؤتى إليه بتلك الحبّة ، فما ذكره وما قال لابنه يأت بها اللّه إليك ولا إلى غيرك ، فأرسل الإتيان عاما وجعل المؤتى به في السّموات إن كان ، أو في الأرض تنبيها لينظر النّاظر في قوله : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ [ الأنعام : 3 ] . فنبّه لقمان بما تكلّم به وبما سكت عنه أنّ الحقّ عين كلّ معلوم ، لأنّ المعلوم أعمّ من الشّيء فهو أنكر النّكرات . وأما الحكمة الثانية المسكوت عنها ، أي لم يتكلم بها صاحبها وعلمت منه بقرينة الحال من كلامه أو غيره فكونه ، أي لقمان عليه السلام سكت عن المؤتى إليه بتلك الحبة المذكورة من هو من الناس فما ذكره ، أي لقمان عليه السلام في كلامه ذلك وما قال ، أي لقمان عليه السلام لابنه يأت بها أي بالحبة اللّه تعالى إليك ولا قال إلى غيرك من الناس قصدا منه للعموم فأرسل أي لقمان عليه السلام الإتيان من اللّه تعالى عاما في كل من تنسب إليه تلك الحبة من العمل الصالح أو القبيح وجعل أي لقمان عليه السلام المؤتى به وهو الحبة في السماوات إن كان أو في الأرض تنبيها منه لابنه ولغيره لينظر الناظر من الناس في مضمون قوله تعالى المتأخر النزول عنه لوجود المعنى من قبل وهو ، أي الشأن اللّه سبحانه ظاهر بطريق التجلي فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ [ الأنعام : 3 ] وفي آية أخرى : قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ يونس : 101 ] وهي مفسرة بالأولى . فنبه لقمان عليه السلام بما تكلم به من الحكمة وبما سكت عنه منها أن الحق تعالى عين كل معلوم سواء كان موجودا في نفسه كالذي في الأرض ، أو غير موجود في نفسه بل موجود في غيره كالذي في الصخرة ، أو كان معلوما لغيره