الشيخ عبد الغني النابلسي

304

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

الصور الكثيرة فتكون حينئذ معلولة لمعلولها المذكور في حال آخر غير الأوّل لانتقال الحكم فيها فيصير معلولها المذكور علة لها من وجه آخر غير وجه ما هو معلول لها هذا غايته ، أي النظر العقلي في إدراك هذه المسألة كالواحد من العشرة مثلا علة لكونها عشرة من وجه ، فهي معلولة له وهو علتها وهي أيضا علة لكونه جزءا من وجه آخر غير وجه كونها عشرة ، بل وجه كونها مركبة ، وليس التركيب خاصا بها بل موجود فيما زاد على الواحد ، فالواحد معلول لها من هذا الوجه أكثر من ذلك لا يدرك العقل في هذا الحكم إذا كان ، أي العاقل قد رأى الأمر في هذه القضية على ما هو عليه بأن وجد علة المعلول وهي معلولة له ولم يقف في ذلك مع نظره الفكري المقتضي عنده لامتناع ذلك فإنه يحكم باختلاف الجهة ولا يسعه الحكم باتحادها وإذا اتسع نظره وأبطل العلة من أحد الطرفين فلا إشكال عنده حينئذ . * * * وإذا كان الأمر في العلّية بهذه المثابة ، فما ظنّك باتّساع النّظر العقلي في غير هذا المضيق ؟ فلا أعقل من الرّسل صلوات اللّه عليهم وقد جاؤوا بما جاؤوا به في الخبر عن الجناب الإلهي ، فأثبتوا ما أثبته العقل وزادوا بما لا يستقلّ العقل بإدراكه وما يحيله العقل رأسا ويقرّ به في التّجلّي الإلهي . فإذا خلا بعد التّجلّي بنفسه حار فيما رآه : فإن كان عبد ربّ ردّ العقل إليه ، وإن كان عبد نظر ردّ إلى حكمه . وهذا لا يكون إلّا ما دام في هذه النّشأة الدّنياوية محجوبا عن نشأته الأخراويّة في الدنيا . فإنّ العارفين يظهرون ههنا كأنّهم في الصّور الدّنياويّة لما يجري عليهم من أحكامها ، واللّه تعالى قد حوّلهم في بواطنهم في النّشأة الأخراويّة ، لا بدّ من ذلك . فهم بالصّورة مجهولون إلّا لمن كشف اللّه عن بصيرته فأدرك . وإذا كان الأمر في العلة عند العقل بهذه المثابة يتسع فيها بنظره الفكري تارة ويضيق أخرى فما ظنك يا أيها السالك باتساع النظر العقلي في غير هذا الأمر المضيق من أمور الغيب الأخروي ونحوه فلا أعقل ، أي أكثر عقلا من الرسل والأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم وقد جاؤوا من عند اللّه تعالى بما