الشيخ عبد الغني النابلسي
300
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
جسدها بالوصف التي كانت فيه حال تصوّرها بالجسد من خير وشر ، فالغفلة لا تفارقها لم تزل عنها في الحياة الدنيا بالرياضة الشرعية والمعرفة الإلهية والخيال الذي كان لها في حياتها وهي منتقشة فيه بجميع أحوالها فإنه لا يزيلها ، أي يرفعها منه بعد الموت بل تبقى فيه متخيلة عنده كما كانت وإذا كان الأمر في نفسه على مقتضى هذا الكلام المذكور فهذا الحال الذي للنفوس بعد الموت هو الأمان على الذوات ، أي نفوس الأشياء كلها حيث قلنا بحياتها وإدراكاتها لأنها مسبحة ، فلا تفسد نفوسها بما هي عليه من الأحوال أصلا وإن فسدت صورها الظاهرة وتفرقت أجزاؤها وفنيت . وهذه الحالة أيضا هي العزة ، أي الرفعة لتلك النفوس والمنعة بالكسر أي الحماية والصون لها من الزوال والاضمحلال فإنك يا أيها الإنسان لا تقدر على إفساد الحدود ، أي التعاريف الذاتية التي للنفوس وهي ماهيتها المقوّمة لها بإفساد أجسادها وأي عزة لها أعظم من هذه العزة ؟ بحيث لا يقدر قاتلها على قتلها ولا إفسادها وإتلافها . * * * فتتخيّل بالوهم أنّك قتلت ، وبالعقل والوهم لم تزل الصّورة موجودة في الحدّ . والدّليل على ذلك وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] . والعين ما أدركت إلّا الصّورة المحمّديّة الّتي ثبت لها الرّمي في الحسّ ، وهي الّتي نفى اللّه الرّمي عنها أوّلا ثمّ أثبته لها وسطا ، ثمّ عاد بالاستدراك أنّ اللّه هو الرّاميّ في صورة محمّديّة ، ولا بدّ من الإيمان بهذا . فأنظر إلى هذا المؤثّر حتّى أنزل الحقّ في صورة محمّديّة . وأخبر الحقّ نفسه عباده بذلك ، فما قال أحد منّا عنه ذلك بل هو قال عن نفسه ، وخبره صدق والإيمان به واجب ، سواء أدركت علم ما قال أو لم تدركه ؛ فإمّا عالم ، وإمّا مسلم مؤمن . فتتخيل يا أيها الإنسان بالوهم ، أي بسبب القوّة الواهمة المستولية عليك أنك قتلت ، أي نفسك وأفسدتها وأعدمتها وبالعقل والوهم أيضا لم تزل الصورة النفسانية منك موجودة على ما هي عليه في الحد الذاتي أي تعريفها بماهيتها وإن فسدت صورة جسدها واضمحلت ، ولولا أن النفوس صور الحق تعالى