الشيخ عبد الغني النابلسي
29
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
( وانحلت العقدة ) التي كان ربط الحق تعالى بها ( فزال الاعتقاد ) الذي كان عنده في الحق تعالى أنه في الصور الفلانية لا غير ، وهو غيب عنه من حيث وجوده الخاص ( وعاد ) ذلك الاعتقاد المذكور منه ( علما ) ذوقيا ( بالمشاهدة ) كما هو حال العارفين باللّه تعالى في الدنيا ( وبعد ) حصول ( احتداد البصر ) للعبد في الدنيا والآخرة بحيث يشهد وجود الحق تعالى في تجليه بالصور ( لا يرجع ) ذلك العبد بعد ذلك ( كليل ) ، أي ضعيف ( النظر ) أصلا ، ولهذا قال بعضهم : لو وصلوا ما رجعوا ، ولكن لا يلزم من تلك المشاهدة اللذة في رؤية الحق تعالى ، فإن من المشاهدة ما يوجب الألم والعذاب ، ومنها ما لا يوجب شيئا ، ومنها ما يوجب اللذة ، وكل ذلك متفاوت بتفاوت المراتب ؛ ولهذا قال عليه السلام في دعائه : « وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة » ونظير ذلك في الآخرة ما هو واقع في الدنيا ، فإن الشهود لا يكون إلا في الصور والرؤية كذلك ، والكل في الدنيا ناظرون إلى وجه الحق تعالى بحكم قوله : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ وقوله : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ، لا يقع عليه شهود ولا رؤية ، ولكن يقع به الشهود والرؤية ، وهم في الدنيا مختلفون في الشهود والرؤية وإن كانوا كلهم لا يشعرون بأنهم في شهود ورؤية ، وإنما يشعر البعض دون البعض ، وفي الآخرة كلهم يشعرون ، ولكن تتفاوت مراتبهم في العلم باللّه سبحانه عند شعورهم بالشهود والرؤية على طبق ما كانوا في الدنيا . قال تعالى : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ( 72 ) [ الإسراء : 72 ] ، والعمى في الدنيا شهود ورؤية بوجه إجمالي ، فإن الأعمى يرى بقلبه ولا يرى بعينه ، فيتخيل المرئي في الصورة التي يعطيها له خياله على مقتضى طبعه ، فيرى الحق تعالى في عين تلك الصورة وتزول تلك الصورة عنه من حيث ما هي صورة ، وتبقى عنده من حيث ما هي وجود حقيقي . وهذا معنى قول المصنف قدس اللّه سره : وانحلت العقدة فزال الاعتقاد وعاد علما بالمشاهدة ، فإن الاعتقاد لا يكون إلا للصور من حيث ما هي صور ، وأما إدراك الأمور المحسوسات فليس هو اعتقادا بل هو علم بالمشاهدة ، فتنفي حالة ذلك الأعمى في الدنيا عن شهود الحق تعالى ورؤيته على مقتضى ما مات عليه من كفر أو فسق أو بدعة أو ضلال إذا لم يتب قبل موته من ذلك ، فيتعذب بهذه الحالة التي مات عليها وهو محجوب عن ربه الذي كلفه بالأحكام في الدنيا ، فلم يمتثلها ومات مخالفا لها بحكم قوله سبحانه : إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [ المطففين : 15 ] ، ولا يرى الرب سبحانه إلا المؤمنون .