الشيخ عبد الغني النابلسي

28

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

أي حكم ( لم يكن ) ذلك المعتزلي ( يحتسبه ) ، أي يظنه ( وأما ) انكشاف الغطاء بخلاف المعتقد ( في ) شأن ( الهوية ) ، أي الحقيقة الإلهية ( فإن بعض العباد ) ، أي عباد اللّه تعالى المؤمنين به سبحانه ( يجزم ) من غير تردد في ( اعتقاده أن اللّه كذا وكذا ) ، أي على هذه الصورة الفلانية في نفسه لما أنه صور في نفسه صورة ولم يدر أنه صور ونزهها عن كل صورة محسوسة ومعقولة ، ورأى تلك الصورة التي صورها في نفسه من غير شعور منه أنه صوّرها لائقة بأن تكون هي الحق تعالى لما رأى فيها من التنزيه وعدم المشابهة لشيء أصلا وأمده في عينه قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ، وقول علماء الكلام : كل ما خطر ببالك فاللّه بخلاف ذلك ، فكلما خطر في باله شيء نفاه أن يكون هو اللّه الذي خطر في باله ثانيا أنه اللّه تعالى ، فتراه يستيقظ لما خطر في باله أوّلا أنه اللّه تعالى فينفيه وهو غافل عما خطر في باله ثانيا أنه اللّه تعالى ، لما نفى عنه أن الخاطر في باله أوّلا هو الحكم فرع التصوّر ، إذ لا يمكن أن يحكم على أمر بأمر ما لم يتصوّر الحاكم الأمر الأوّل المحكوم عليه ، والأمر الثاني المحكوم به . فكل منزه مشبه ، لأنه حاكم على اللّه تعالى أنه لا يشبه شيئا ، فاللّه تعالى محكوم عليه عند هذا الحاكم ، والمحكوم عليه متصور عنده لضرورة الحكم عليه كما ذكرنا وكل مشبه أيضا منزه ، لأن الحق الذي قيده بصورة على وجه التشبيه له ، فإن حصره في تلك الصورة لجهله بما يجب له من الإطلاق الحقيقي الذي لا يعلمه إلا هو سبحانه ، فقد نزهه سوى تلك الصورة التي حصره فيها ، وإن لم يحصره في تلك الصورة ، ولكن وجده ظاهرا له في تلك الصورة وهي من جملة صور تجلياته التي لا تنضبط ، فقد علم إطلاقه الحقيقي وعرف أنه عاجز عن معرفته من حيث هو سبحانه ، فقد نزهه عن جميع الصور وعن تلك الصورة أيضا التي ظهر له بها ، وهذا التنزيه أعلى وأكمل من التنزيه الأوّل ، فالإيمان الكامل هو هذا التنزيه التشبيه مع التشبيه التنزيه كما سبق بيانه . ( فإذا انكشف الغطاء ) بالموت ودخل في عالم المعاني وخرج عن كونه محسوسا بهذا الحس الظاهر ( رأى صورة معتقده ) ، أي ما كان يعتقده ( وهي ) ، أي تلك الصورة ( حق ) لا شبهة فيها ( فاعتقدها ) ، أنها الحق تعالى والسبب أنه لما كان حيا بالحياة الدنيا الدنيوية الوهمية كان يدعي الوجود الظاهر هو به من كتم عدمه فكان هو في نفسه محسوسا بالحس الظاهر والحق تعالى عنده معقول من عالم المعاني ، فلما انكشف الأمر بالموت وانقلب الحال كان هو المعقول من عالم المعاني ، والحق تعالى هو المحسوس الظاهر بالحس الظاهر ، وتبين له النور الحق الذي هو الوجود الصرف القديم الذي ليس معه غيره فاعتقده كذلك .