الشيخ عبد الغني النابلسي
269
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
رحمة اللّه تعالى الواسعة أن تقوم ، أي تظهر وتتبيّن بهم فتظهر بها لهم أعيان أحوالهم الملائمة الثابتة في حضرة العلم القديم بالعدم الأصلي فيسألونها ، أي يدعون الرحمة باسم اللّه تعالى الجامع لجميع الأسماء فيقولون في سؤالهم ودعائهم يا اللّه ارحمنا ، أي يا جامع الأسماء كلها أظهر فينا ما ظهر فيك من الرحمة الواسعة وهم يعلمون أنه لا يرحمهم إلا قيام ، أي ظهور الرحمة الإلهية بهم كظهورها في الحضرات الأسمائية والمراتب الذاتية الصفاتية . فلها ، أي للرحمة الواسعة الحكم في كل محكوم عليه أي الظهور والتجلي به فيه لأن الحكم إنما هو في الحقيقة للمعنى القائم بالمحل المحكوم عليه لا للحاكم من حيث هو حاكم وأن نسب الحكم الحاكم في الظاهر أنه أثره وإنما هو في نفس الأمر أثر المحكوم عليه إذ لولا قبوله لذلك الحكم واستعداده له ما ظهر فيه ، فاستعداده وقبوله أثر فيه لا فعل الفاعل فما تأثر إلا بما منه فهو ، أي ذلك المعنى القائم بالمحل المرحوم هو الراحم لذلك المرحوم على الحقيقة وما قام بكل شيء حتى اقتضى وجوده إلا الرحمة الإلهية كما مر ذكره ، فهي استعداد كل شيء لما هو مستعد له وهي قبول كل شيء لما هو قابل له ، وهي أيضا التي توصل كل مستعد وقابل لما هو مستعد له وقابل له ، فلها الواسع الأعظم من جميع الوجوه والاعتبارات فلا يرحم اللّه تعالى عباده المعتنى بهم من أهل الكشف والوجود وهم المؤمنون المتقون إلا بالرحمة القائمة بهم ظهورا وتجليا . فإذا قامت بهم ، أي ظهرت لهم منهم الرحمة الإلهية الواسعة لهم ولغيرهم وجدوا حكمها فيهم ذوقا ، أي كشفا ومعاينة لا تخيلا وفهما ، فصارت تلك الرحمة العامة خاصة بهم وهو قوله : فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [ الأعراف : 156 ] بعد قوله : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ . * * * فمن ذكرته الرّحمة فقد رحم . واسم الفاعل هو الرّحيم والرّاحم . والحكم لا يتّصف بالخلق لأنّه أمر توجبه المعاني لذواتها . فالأحوال لا موجودة ولا معدومة . أي لا عين لها في الوجود لأنّها نسب ، ولا معدومة في الحكم لأنّ الّذي قام به العلم يسمّى عالما وهو الحال . فعالم ذات موصوفة بالعلم ، ما هو عين الذّات ولا عين العلم ، وما ثمّ إلّا علم وذات قام بها هذا العلم . وكونه عالما حال لهذه الذّات باتّصافها بهذا