الشيخ عبد الغني النابلسي
253
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما أفضل منه عندنا ، ولكن فضيلتهما من وجه آخر ، فإن ذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم بعلوم الأذواق ما ظهر إلا بعلي وأولاده رضي اللّه عنهم ، فأحيا اللّه تعالى ذكره به لأنه رباه فهو ولده من التربية ، وتلقين الذكر في طرق الصوفية كلها راجع بالأسانيد إلى علي رضي اللّه عنه . ولكن ما جمع اللّه تعالى لأحد من الأنبياء عليهم السلام قبل يحيى صلوات اللّه عليه بين الاسم العلم بالتحريك منه المخترع من اللّه تعالى ، فلم يسم به أحد قبله وبين الصفة له بذلك الاسم حيث اقتضى إحياء الذكر إلا لزكريا عليه السلام عناية ، أي اعتناء منه تعالى بزكريا عليه السلام إذ قال ، أي زكريا عليه السلام في دعائه ربه رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ [ آل عمران : 38 ] ، أي من عندك بطريق الاختراع الذي لم يسبق نظيره كعلم الذوق الذي قال تعالى فيه لما علمه للخضر عليه السلام فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ( 65 ) [ الكهف : 65 ] ، أي من عندنا وَلِيًّا [ مريم : 5 ] ، أي ولدا يتولى أمر أبيه فيخلفه في جميع أحواله ولهذا قال : يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ( 6 ) [ مريم : 6 ] . فقدم زكريا عليه السلام ذكر الحق تعالى بكاف الخطاب على ذكر ولده يحيى عليه السلام أدبا مع اللّه تعالى واحتراما لجنابه كما قدمت آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ذكر الجار الحق سبحانه وتعالى على ذكر الدار في قولها ، أي آسية كما حكاه اللّه تعالى بقوله : رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ [ التحريم : 11 ] فأكرمه ، أي زكريا عليه السلام اللّه تعالى بأن قضى حاجته بخلق يحيى عليه السلام له وسماه بصفته فأحيا ذكره به حتى يكون اسمه ، أي اسم يحيى عليه السلام تذكارا من اللّه تعالى لما ، أي الذي طلب ، أي طلبه منه ، أي من اللّه تعالى نبيه زكريا عليه السلام من الولي الوارث لأنه ، أي زكريا عليه السلام آثر ، أي قدم واختار بقاء ذكر اللّه تعالى في عقبه ، أي ذريته إلى يوم القيامة إذ ، أي لأن الولد سر أبيه ، فهو حامل كماله ونتيجة حضرة جماله وجلاله فقال ، أي زكريا عليه السلام في حملة دعائه يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وليس ثم بالفتح ، أي هناك موروث في حق هؤلاء من زكريا وآل يعقوب عليه السلام إلا مقام ذكر اللّه تعالى بالذوق والعرفان والدعوة إليه ، أي إلى دينه سبحانه بالقلب واللسان . * * *