الشيخ عبد الغني النابلسي

250

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

( 20 - فص حكمة جلالية في كلمة يحيوية ) هذا فص الحكمة اليحيوية ، ذكره بعد حكمة أيوب عليه السلام ، لأن سر الحياة الذي في الماء كان من حكمة أيوب عليه السلام ، وبذلك الماء حيي ذكر زكريا بيحيى عليه السلام ، لأنه ماء أبيه فحياة ذكره به ، ومن هنا قولهم : الولد سر أبيه ، لأن في الماء سر الحياة ، وإن كان المني ليس بماء في العرف العام ، فإنه ماء عند أهل الخصوص ولكن سر مادة بدنية مازجة لتفتح فيه صورة أصلها . قال تعالى : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ( 5 ) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 6 ) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ( 7 ) [ الطارق : 5 - 7 ] . وفي الحديث قال عليه السلام : « الماء من الماء » « 1 » . فص حكمة جلالية ، أي منسوبة إلى الجلال وهو الهيبة الإلهية والقبض الرباني والعظمة الرحمانية في كلمة يحيوية . إنما اختصت حكمة يحيى عليه السلام بكونها جلالية ، لأن الغالب عليه عليه السلام كان في حياته الجلال والقبض ، فكان كثير البكاء والحزن من هيبة اللّه تعالى وجلاله ، حتى قيل إنه كان إذا اجتمع بابن خالته عيسى ابن مريم عليه السلام يقول له لما يراه عليه من السرور والبسط كأنك آمن من مكر اللّه تعالى ، فيقول له عيسى عليه السلام لما يرى عليه من غلبة الحزن والقبض كأنك آيس من رحمة اللّه تعالى . وقيل : إنه رأى مرة أمه توقد النار فبكى من خوف اللّه تعالى فقالت له : ما يبكيك وأنت صغير فقال : إني رأيتك توقدين الحطب الكبار بالصغار أو كما قال صلى اللّه عليه وسلم . * * * هذه حكمة الأوّلية في الأسماء ، فإنّ اللّه سمّاه يحيى أي يحيا به ذكر زكريّا ولم يجعل له من قبل سميّا .

--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، في بابين أحدهما : باب إنما الماء من الماء ، حديث رقم ( 3 - 344 [ 1 / 269 ] ورواه ابن حبان في الصحيح ، ذكر الخبر الدال على إسقاط الاغتسال . . ، حديث رقم ( 1168 ) [ 3 / 443 ] ورواه غيرهما .