الشيخ عبد الغني النابلسي
246
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
بالقضاء الإلهي ، والتقدير الأزلي على العبد فالصبر مثل الرضى يقدح فيه الشكوى ولو إلى اللّه تعالى وليس الأمر كذلك ، أي كما قالوا في ذلك كما نظروا فإن الرضا بالقضاء والتقدير على العبد لا يقدح فيه الشكوى إلى اللّه تعالى ولا إلى غيره سبحانه أيضا وإنما يقدح ذلك في الرضا بالمقضي وهو الشيء الذي قضى اللّه تعالى به كالبلاء مثلا ، فمن شكى من البلاء لم يكن راضيا بذلك البلاء ولا يطعن شكواه من ذلك في الرضى بقضاء اللّه تعالى عليه بذلك البلاء . ونحن ما خوطبنا ، أي خاطبنا اللّه تعالى بالرضا بالمقضي وإنما خوطبنا بالرضى بالقضاء الذي هو حكم اللّه تعالى والضر ، أي البلاء الذي شكى منه أيوب عليه السلام هو المقضي ما هو ، أي ذلك الضر عين القضاء ، أي حكم اللّه تعالى الذي يجب الرضا به . * * * وعلم أيّوب عليه السّلام أنّ في حبس النّفس عن الشّكوى في دفع الضرّ إلى اللّه مقاومة القهر الإلهيّ وهو جهل بالشّخص إذ ابتلاه اللّه بما تتألّم منه نفسه ، فلا يدعو اللّه في إزالة ذلك الأمر المؤلم ، بل ينبغي له عند المحقّق أن يتضرّع ويسأل اللّه في إزالة ذلك عنه ، فإنّ ذلك إزالة عن جناب اللّه عند العارف وصاحب الكشف . فإنّ اللّه تعالى قد وصف نفسه بأنّه يؤذى فقال : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ الأحزاب : 57 ] . وأيّ أذى أعظم من أن يبتليك ببلاء عند غفلتك عنه أو عن مقام إلهيّ لا تعلمه لترجع إليه بالشّكوى فيرفعه ، فيصحّ الافتقار الّذي هو حقيقتك ، فيرتفع عن الحقّ الأذى بسؤالك إيّاه في رفعه عنك . إذ أنت صورته الظّاهرة ، كما جاع بعض العارفين فبكى فقال له في ذلك من لا ذوق له في هذا الفنّ معاتبا له ، فقال العارف : « إنّما جوّعني لأبكي » يقول إنّما ابتلاني بالضّرّ لأسأله في رفعه عنّي ، وذلك لا يقدح في كوني صابرا . فعلمنا أنّ الصّبر إنّما هو حبس النّفس عن الشّكوى لغير اللّه . وعلم أيوب عليه السلام كمال حكمته وشريف فطنته أنّ في حبس ، أي إمساك النّفس الإنسانية عن الشكوى إلى اللّه تعالى في رفع الضر ، أي البلاء عنه مقاومة القهر الإلهي كما قال تعالى : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ [ الأنعام : 18 ] ، وقال تعالى : وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [ الرعد : 16 ] ، وهو ، أي فعل المقاومة