الشيخ عبد الغني النابلسي

239

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

ومنه سبحانه أيضا ، قال تعالى : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ النساء : 78 ] وهو قوله سبحانه وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ حقيقة ، أي في نفس الأمر وإن جهله الجاهلون وأنكره المنكرون وكشفا عند العارفين به المحققين له فَاعْبُدْهُ يا أيها السالك إليه بما صوّر لك في نفسك من الحول المخلوق والقوة المخلوقة وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [ هود : 123 ] ، أي فوّض أمرك إليه في ظاهرك وباطنك فلا تعتمد على حولك وقوتك حجابا ، أي في حال انحجابك عنه بشهود نفسك وسترا ، أي في وقت استتاره عنك بظهوره عليك على مقدار ما قبل ثبوت عينك في علمه القديم من تجلي وجوده وأنت لا تشعر لاشتغالك بك عنه . فليس في الإمكان الاعتباري مما تراه العقول الفاضلة أبدع من هذا العالم المحسوس والمعقول والموهوم لأنه ، أي هذا على صورة مجموع صفات الرحمن عز وجل المستوي على العرش الذي هو مجموع العالم كله أوجده ، أي العالم اللّه تعالى أي ظهر وجوده تعالى بظهور العالم فهو يتبدل به في الصور المختلفة على حسب ما يريد سبحانه ، ويتحوّل في الحس والعقل إلى الأبد من غير أن يتغير تعالى عما هو عليه في الأزل كما ظهر الإنسان في الدنيا من حيث الروحانية اللطيفة الحاملة للمعاني الشريفة بوجود الصورة الطبيعية الآدمية الجسمانية المتركبة من العناصر الأربعة ، ثم يختفي الإنسان بموت هذه الصورة وزوال تركيبها واضمحلالها ، ثم يعود إليها في النشأة الآخرة ظاهرا بها إلى الأبد . * * * فنحن صورته الظّاهرة وهويّته تعالى روح هذه الصّورة المدبّرة لها . فما كان التّدبير إلّا فيه كما لم يكن إلّا منه . فهو الْأَوَّلُ بالمعنى وَالْآخِرُ بالصّورة وهو وَالظَّاهِرُ بتغيّر الأحكام والأحوال وَالْباطِنُ بالتّدبير ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ الحديد : 3 ] فهو على كلّ شيء شهيد ، ليعلم عن شهود لا عن فكر . فكذلك علم الأذواق لا عن فكر وهو العلم الصّحيح وما عداه فحدس وتخمين ليس بعلم أصلا . فنحن معشر الكائنات صورته تعالى الظاهرة في الدنيا والآخرة لأنا موصولون بما هو موصوف به على حد ما يليق به ، فنحن علمه بنفسه لأنه علم نفسه فعلمنا ، ونحن كثيرون وهو واحد لكمال تنزيهه ورفعة شأنه عن أن يدركه علمه فيحصره فضلا عن علم غيره لعظمة إطلاقه الكلي ، ونحن نتبدل ونتحوّل وهو ثابت