الشيخ عبد الغني النابلسي
221
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
يعزلها بالموت ثم يحاسبها على كل ما صدر منها في موضع ولايتها كثير ، أي متعدد من حيث ظهوره بالأسماء الإلهية وإن كان تعالى أحدا في ذاته كما أن الإنسان الواحد كثير ، أي متعدد بالأجزاء الجسمانية وإن كان واحدا في ذاته وما يلزم من ذكر جزء ما يعني أي جزء كان من أجزاء اللسان للّه تعالى ذكر جزء آخر من أجزائه للّه تعالى كما أنه لا يلزم من ظهور ذات الحق تعالى في اسم من أسمائه سبحانه بأثر خاص ظهور ذات الحق تعالى أيضا في اسم آخر من أسمائه تعالى بمثل ذلك الأثر الخاص ، وإنما تظهر الذات الإلهية كل لمحة من الزمان في كل اسم من أسمائها بأثر خاص لا يظهر عن غير ذلك الاسم في غير تلك اللمحة أصلا لا فيما مضى ولا فيما سيأتي إلى الأبد . فالحق تعالى جليس الجزء الذاكر للّه تعالى منه ، أي من الإنسان والجزء الآخر منه متصف بالغفلة عن الذاكر ، أي ذاكر اللّه تعالى ولا بد أن يكون في الإنسان جزء يذكر اللّه به ، أي بذلك الجزء منه ، أي إنسان كان مؤمنا أو كافرا أو جاهلا أو عالما ، عرف الإنسان ذلك الجزء أو لم يعرفه ، ولا يكون أن يكون غافلا مطلقا ولا ذاكرا مطلقا أيضا ، بل إذا غفل منه جزء ذكر منه كما أن العالم لا يخلو من غافل ومن ذاكر أصلا ، فإذا غفل الذاكر ذكر الغافل وبالعكس فيكون الحق تعالى جليس ذلك الجزء الذاكر من الإنسان فيحفظ ذلك الجزء أو الحق تعالى باقي الأجزاء من الإنسان بالعناية الإلهية . * * * وما يتولّى الحقّ هدم هذه النّشأة بالمسمّى موتا وليس بإعدام كلّيّ وإنّما هو تفريق ، فيأخذه إليه ، وليس المراد إلا أن يأخذه الحقّ إليه وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [ هود : 123 ] فإذا أخذه إليه سوّى له مركبا غير هذا المركب من جنس الدّار الّتي ينتقل إليها ، وهي دار البقاء لوجود الاعتدال . فلا يموت أبدا ، أي لا تفرّق أجزاؤه . وما يتولى ، أي تولية الحق تعالى هدم بنيان هذه النشأة ، أي الخلقة الإنسانية بالمسمى موتا حيث يتولى اسم اللّه المميت على ذلك العبد بعد عزل اسم اللّه المحيي عنه فليس ذلك الموت إعداما للعبد وإرجاعه إلى ما كان فيه من العدم الأصلي ، فإن اللّه تعالى لا يكرر حالة واحدة على عبد أصلا لسعة التجلي وعدم تناهيه إلى الأبد وإنما هو ، أي الموت تفريق بين الروح والبدن أوّلا بقصر تصرفها عنه وإظهار عجزها لها ، ثم بين أجزاء البدن ، فلا يبقى لها قدرة على إمساك