الشيخ عبد الغني النابلسي

215

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

فإن أبى فحينئذ يقتل ؟ ألا تراه سبحانه إذا كان أولياء الدّم جماعة فرضي واحد بالدّية أو عفاه ، وباقي الأولياء لا يريدون إلّا القتل ، فكيف يراعى من عفا ويرجّح على من لم يعف فلا يقتل قصاصا ؟ ألا تراه عليه السّلام يقول في صاحب النّسعة « إن قتله كان مثله » ؟ فالغرض من ذكر هذه الحكاية عن داود عليه السلام هنا بيان المهم مراعاة هذه النشأة ، أي الخلقة الإنسانية وأن إقامتها ، أي إبقاءها قائمة أولى من هدمها وإزالتها بحسب الإمكان على كل حال ألا ترى يا أيها السالك عدوّ اللّه « 1 » تعالى يعني جنسهم وهم الكافرون قد فرض ، أي قدر اللّه تعالى في حقهم شرعا الجزية والصلح إبقاء عليهم وتسليم حالهم كما قال تعالى : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [ التوبة : 29 ] . وقال اللّه تعالى وَإِنْ جَنَحُوا ، أي مالوا لِلسَّلْمِ بالفتح فالسكون الصلح ضد الحرب فَاجْنَحْ ، أي مل أنت أيضا لَها ، أي لتلك الحالة التي جنحوا لها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ الأنفال : 61 ] تعالى فإن اللّه تعالى يكفيك مؤونة ذلك ألا ترى كل من وجب عليه القصاص من الناس كيف شرع بالبناء للمفعول ، أي شرع اللّه تعالى لولي الدم أخذ الفدية منه وهي الدية في النفس أو العفو عنه فهو مخير في ذلك فإن أبى ، أي امتنع من ذلك إلا القتل فحينئذ يقتل ذلك الذي وجب عليه القصاص ألا تراه سبحانه وتعالى حكم في الشرع المحمدي أنه إذا كان أولياء الدم في المقتول عمدا جماعة فرضي واحد منهم بالدية أو عفا واحد منهم وباقي الأولياء لا يريدون من ذلك القاتل إلا القتل كيف يراعى جانب من عفا عن القاتل أو رضي بالدية ويرجح على جانب من لم يعف وطلب القصاص فلا يقتل لأجل ذلك هذا القاتل قصاصا وفي مسند الإمام أبي حنيفة رضي اللّه عنه روى بإسناده عن ابن عباس رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من عفى عن دم لم يكن له ثواب إلا الجنة » « 2 » ألا تراه ، أي النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول في حق صاحب النّسعة بكسر النون قطعة من النسع

--> ( 1 ) وفي نسخة [ عدو الدين ] بدل [ عدو اللّه ] . ( 2 ) رواه النسائي في سننه ، باب القود ، حديث رقم ( 6924 ) [ 4 / 213 ] ورواه الترمذي في سننه ، باب ما جاء في النهي عن المثلة ، حديث رقم ( 1408 ) [ 4 / 22 ] ورواه غيرهما ونصه : عن أبي هريرة قال : قتل رجل على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فدفع القاتل إلى وليه فقال القاتل : يا رسول اللّه واللّه ما أردت قتله فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أما إنه إن كان قوله صادقا فقتلته دخلت النار فخلى عنه الرجل قال وكان مكتوفا بنسعة قال : فخرج يجر نسعته قال : فكان يسمى ذا النسعة » . والنسعة حبل ، وروي الحديث بألفاظ أخرى .