الشيخ عبد الغني النابلسي

208

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

بحسب ما يعطيه حال الواصل إليها ، أي إلى الرحمة من السالكين ، فلا يزال مسمى جهنم دركاتها وأنواع العذاب فيها لأهلها إلى الأبد ، ولكن الرحمة تسع ذلك كله فتحيله إليها ، فيرجع الكل رحمة مع بقاء الغضب غضبا والعذاب عذابا . قال تعالى : فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ [ الحديد : 13 ] . وفي الحديث : « لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول : هل من مزيد حتى يضع الجبار قدمه فيها فتقول : قط قط وينزوي بعضها إلى بعض » « 1 » . فمن كان من السالكين ذا ، أي صاحب فهم منوّر بنور الإيمان كما ورد : « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه » « 2 » يشاهد عيانا ما ، أي الذي قلناه في سبق الرحمة للغضب في أهل النار الذين هم أهلها مع بقاء الكل بحاله ولا يحتاج إلى معلم يعلمه ذلك وإن لم يكن له فهم كذلك فيأخذه ، أي ما قلنا من الأمر المذكور عنا ويتعلمه منا إن كان قابلا لذلك ، وكان مؤمنا بنا مصدقا لكلامنا وإلا فله ما رأى وحسابه على اللّه . فما ثم ، بالفتح ، أي هناك في نفس الأمر من الحق إلا ما ذكرناه في هذا المحل وغيره فاعتمد يا أيها السالك عليه ، أي على ما ذكرناه وكن بالحال ، أي الذوق والشهود لا التخيل والفهم لمعناه فقط فيه ، أي فيما ذكرناه كما كنا نحن فإننا على شهود منه وذوق لا تخيل لمعناه وفهم . فمنه ، أي من الأمر في نفسه وأصل إلينا ما ، أي الذي تلوناه عليكم من الكلام فإنه انكشف لنا بنور اللّه تعالى الذي نحن ننظر به من حيث إنا مؤمنون فعرفناه على ما هو عليه من حيث إنا محسنون نعبد اللّه كأنا نراه فإن لم نكن نراه فإنه يرانا . قال تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النور : 35 ] والنور يكشف كل مستور ومنّا وأصلا إليكم ما وهبناكم منا ، لأنه موقوف على الكشف عنه منه فإذا أخذتموه منا تخيلتموه بأفهامكم ، فلم يصل إليكم ما الأمر عليه في نفسه من ذلك ، لأنه لا يؤخذ إلا منه بنور اللّه تعالى كما أخذناه نحن لا منا من حيث ما نحن عندكم وعلى اللّه قصد السبيل . * * *

--> ( 1 ) جزء من حديث طويل رواه النسائي في السنن الكبرى ، قوله تعالى : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ [ ق : 30 ] . . ، حديث رقم ( 11522 ) [ 6 / 468 ] ورواه أحمد في المسند عن أبي هريرة برقم ( 10596 ) [ 2 / 507 ] ورواه غيرهما . ( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه .